الجمعة، 2 يوليو 2010

الاستخبارات العسكرية الأميركية تدعو إلى حوار مع «حزب الله» و«حماس»... «الانتهازيين»

هذا المقال منشور يوم 2/7/2010 على الرابط
http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=213498&date=02072010



واشنطن - من حسين عبد الحسين


انضمت الاستخبارات العسكرية التابعة لقيادة المنطقة الوسطى في الجيش الاميركي، الى مجموعة مؤيدي مباشرة الحوار مع «حزب الله» وحركة «حماس»، حسب تقرير صادر اخيرا عن هذه الاستخبارات.


وعملت اخيرا مصادر في العاصمة الاميركية على تسريب اجزاء من التقرير السري، الذي تم اعداده في 7 مايو الماضي، تحت عنوان «ادارة (ملف) حزب الله وحماس»، بعد ايام على تصريح نائب الامين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم لـ «وكالة اسوشيتد برس للانباء» بان حزبه لن يباشر اي حوار مع واشنطن قبل ان تغير من تصرفاتها.


وكانت «الراي» اوردت في عددها الصادر في 3 يونيو، ان جهات اميركية عمدت الى «تدارس سيناريوات الحوار مع حزب الله في اجتماعات عقدتها مع مواطنين اميركيين مقربين من الحزب». تلى ذلك جلسة استماع عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، لتدارس الموضوع، ودعا فيها ديبلوماسيون سابقون الى مباشرة هكذا حوار، فيما استند باحثون ادلوا بشهادتهم الى تقارير «الراي»، للاشارة الى مقدرات الحزب العسكرية.


في تقرير الاستخبارات العسكرية ورد، ان «دور الولايات المتحدة في تقديم المساعدة الى قوة دفاع لبنانية يكون من ضمنها حزب الله، والتدريب المستمر لقوات الامن الفلسطينية في كيان فلسطيني تكون حركة حماس (مشاركة) في حكومته، سيكون اكثر فعالية من تقديم المساعدة الى جهات مثل حكومة لبنان وفتح اللتين تمثلان جزءا فقط من اللبنانيين والفلسطينيين». واضاف انه «رغم تبني حزب الله وحماس سياسات متشددة في رفض اسرائيل»، الا ان المجموعتين «عملانيتان وانتهازيتان» ويمكن الحوار معهما.


واقتبس التقرير من كتاب للباحث آرون دايفيد ميلر، وهو من مجموعة من الغربيين ممن يتمتعون بعلاقة ممتازة مع «حزب الله» على غرار عميل الاستخبارات البريطانية السابق المقيم في بيروت اليستير كروك، وجاء في الاقتباس ان «حزب الله وحماس اصبحا لاعبين سياسيين يتمتعان باحترام في شوارع العواصم العربية، وفي المنطقة ككل»، وان «تدميرهما لم يكن يوما خيارا، وتجاهلهما قد لا يكون خيارا كذلك».


التقرير يعارض التوجه الاسرائيلي القائل بتشابه «حزب الله» و«حماس»، والداعي الى مواجهتهما بالعنف، ويعتبر ان «الفشل في الاعتراف بالمظالم والاهداف المختلفة لدى كل منهما، سيؤدي الى استمرار في الفشل في دفع تصرفاتهما الى الاعتدال».


وكان مستشار الرئيس الاميركي لشؤون الارهاب جون برينان، الذي لفت الانظار بحضوره لقاء باراك اوباما ورئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في واشنطن في مايو الماضي، اعتبر في وقت سابق ان على بلاده المساهمة في دفع العناصر المعتدلة في «حزب الله» الى الواجهة من اجل مباشرة الحوار معها.


التقرير حاول التقليل من اهمية ارتباط «حزب الله» بايران، واستند الى خطاب قال فيه الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، انه اذا حدث ان تضاربت مصالح ايران ولبنان في يوم من الايام، فان الحزب سيختار المصلحة اللبنانية، وتابع «ان نشاطات حزب الله تعكس في شكل متزايد حاجاته وطموحاته في لبنان، في مواجهة مصالح داعميه الايرانيين».


كما انتقد التقرير، حرب يوليو العام 2006 بين اسرائيل والحزب، وذكر ان الحرب قد تكون ادت الى نتائج عكسية وساهمت في توثيق الاواصر بين «حزب الله» وايران.


وحاول التقرير الاشارة الى اوجه شبه بين الحزب «والجيش الجمهوري الايرلندي، الذي شارك في نهاية الامر في عملية السلام في ايرلندا الشمالية، وهو ما قد يشكل نموذجا لاستراتيجية تعامل الولايات المتحدة مع حزب الله».


كما اشار الى القرار البريطاني بمباشرة الحوار مع «حزب الله» في العام 2009.


واردف: «بالطريقة نفسها التي لعبت فيها الولايات المتحدة دورا قياديا في محادثات السلام مع ايرلندا الشمالية، يمكن للبريطانيين ان يقودوا حوارا للاندماج بين الجيش اللبناني وحزب الله في لبنان».


مع انضمام الاستخبارات العسكرية الى فريق «شؤون الارهاب» التابع للرئيس الاميركي، والى اعضاء في الكونغرس وديبلوماسيين متقاعدين، من امثال السفير السابق لدى العراق ريان كروكر، في الدعوة الى مباشرة حوار مع «حزب الله»، تقف وزارة الخارجية وحيدة في معارضتها لهكذا حوار.


ويعزز من موقف الخارجية انها الوحيدة المخولة في تصنيف التنظيمات الارهابية، وهو موقف زاد صلابة بعد ما اصدرت المحكمة الفيديرالية العليا قرارا، الشهر الماضي، شمل حتى الجمعيات الاميركية غير الحكومية، وحظر الاتصال او تقديم اي نوع من المساعدة «حتى المدنية» منها، الى التنظيمات المصنفة ارهابية مثل «حزب الله» و«حماس». الا ان الالتفاف حول الخارجية وقرار المحكمة العليا، ومباشرة الحوار مع «حزب الله» و«حماس»، صار يبدو ممكنا من خلال حلفاء اميركا، البريطانيين، وهو ما يبدو ان الاستخبارات العسكرية الاميركية صارت تدركه، وتدعو اليه في تقاريرها السرية.


يساند الدائرة المؤيدة للحوار مع التنظيمين، والآخذة بالاتساع، مجموعة كبيرة ومقربة جدا من «حزب الله»، فيها امثال عميل الاستخبارات البريطاني السابق كروك، واميركيين من امثال ميلر، والباحث العسكري مارك بيري، ونجله مراسل شبكة «سي ان ان» المقيم في بيروت كال بيري، وعدد كبير غيرهم من المقربين من الحزب او من طهران، او من الاثنين معا، المقيمين في بيروت او في واشنطن.













إتهموا محمد دحلان بالفساد...وهم غارقون فيه: من قصص فساد حماس



حقائق وأرقام تفاصيل فضيحة مالية داخل المكتب السياسي لحركة حماس تم التكتم عليها وإخفاءها عن كوادر الحركة تمت قبل سنوات. بدأت تفاصيل الفضيحة عندما تلقى مصطفى اللداوي ممثل حركة حماس السابق في لبنان مبلغاً يقدر بثلاثة ملايين دولار سلمه إياه عماد العلمي ممثل الحركة في دمشق والمسئول عن إدارة أموال حماس وتحويلها إلى مؤسسات الحركة في الأراضي الفلسطينية واقترح اللداوي على العلمي استثمار هذا المبلغ بشكل مؤقت " على أمل تحقيق أرباح " في تمويل صفقات تجارية مع شركات من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً، وخاصة من أوكرانيا ومع شركات أخرى في كندا والدانمارك بمشاركة رجلي الأعمال " أمين ع. هـ " والشيخ " علي . ي " من صيدا في جنوب لبنان على إن يتم تقاسم الأرباح بين المشاركين. لكن الحظ لم يحالف العلمي واللداوي هذه المرة، بعد أن اعتادوا على جني أرباح كبيرة من استثمار أموال الحركة. وقد فوجئ مسئولا حماس بأن بعض الشركات التي تعاملا معها كانت شركات وهمية سرعان ما اختفت آثارها فور تحويل الأموال إلى حساباتها. وبعد فشل الصفقات الأخيرة وضياع الأموال.






بدأ العلمي واللداوي يتبادلان الاتهامات فيمن هو المسئول عن ضياع هذه الأموال، وحمل العلمي بالمقابل اللداوي كامل المسؤولية عن ضياع الأموال وعمل على إزاحة اللداوي من منصبه كممثل للحركة في لبنان وتعيين أسامة حمدان محله والمعروف أن حمدان كان نائباً للعلمي عندما كان هذا الأخير ممثلاً لحماس في طهران ويعتبر رجل أسراره وهو ما شكل بداية لسيطرة الخط الإيراني على قيادة الحركة في الخارج.


















هذه القضية دفعت باجهزة حماس الداخل الى فتح ملف الاموال التي تصل عادة من الخارج و سرعان ما تبين ان ملايين اخرى من الدولارات التي وصلت الى قياديي حماس الخارج من التبرعات التي جمعت لصالح مؤسسات حماس في الاراضي الفلسطينية خلال شهر رمضان المبارك و بعده في عيدي الفطر و الاضحى، لم يصل منها فعليا الى هذه المؤسسات سوى النزر اليسير، بينما وجد الجزء الاكبر منها طريقه الى جيوب قياديي الحركة في بعض العواصم العربية.






كانت الصدمة كبيرة في صفوف حركة حماس عندما تم اكتشاف هذه القضية كونهم لم يكونو يتوقعون هذا التصرف ممن يعرف جيدا الظروف الصعبة التي يعيشها الاهالي في الاراضي الفلسطينية و تلك التي تخضع للاحتلال، و اعرب هؤلاء عن قلقهم من ان تزيد الضائقة الاقتصادية الضرر الذي سيلحقه كشف هذه القضية بحركة حماس.






وعلم أن الشيخ ياسين رحمه الله قد أبدى في مجالسه أمام المقربين منه آنذاك غضبه الشديد واستيائه من التصرفات غير المسئولة لقياديي حماس الخارج، وبالأخص المواقف المحرجة التي كان يواجهها في كل مرة تسأله فيها بعض الجهات الخليجية عن مصير الأموال التي يتبرعون بها للحركة، و التي لا يملك الشيخ ياسين جوابا شافيا عنها خاصة و ان هذه الجهات اعطت الشيخ ياسين بشكل شخصي وعودا بالاستمرار بمساعدة حركته اثناء زيارته وطلبت تلك الجهات من الشيخ ياسين رحمه الله تشديد المراقبة على الطريقة التي تتم فيها إدارة أموال الحركة بحيث تساهم هذه الاموال في دعم المشاريع التي تقدم المساعدات للشعب الفلسطيني لا ان تذهب إلى جيوب قيادي حماس بالخارج الذين يؤثرون ترف العيش بمكاتب فاخرة مفروشة بأثاث باهظ الثمن وسيارات حديثة وعقارات وفيلات فاخرة لا يقوي على تملكها في بعض الأحيان المتبرعون أنفسهم على النحو التالي:






• استئجار مكتب لكل عضو من أعضاء المكتب السياسي وذلك بعد هدر 300 ألف دولار لشراء فيلا بحجة استخدامها كمقر رئيسي للمكتب سرعان ما تبين أنها غير صالحة.






• شراء سيارة مرسيدس لكل عضو من هذه المجموعة من صندوق الحركة رغم امتلاكهم سيارات خاصة وتصنيفهم ( في خانة ميسوري الحال على الأقل ).






• بذخ في نفقات السفر والنزول في أفخم الفنادق وأبرزها صرف 30 ألف دولار كنفقات إقامة لمدة شهرين في أحد الفنادق في قطر ولعل أطرف مظاهر الهدر هو قيام هذه المجموعة القيادية التي تعيش من التبرعات بالتبرع بمبلغ 100 ألف دولار لأحد أنجال الزعماء الأفارقة على أمل مساهمته في توسيع شبكة علاقات حماس الأفريقية.






• وبلغت مصاريف أعضاء المكتب السياسي لعام واحد خارج مرتباتهم وموازنات الدوائر التابعة بلغت 600 ألف دولار، بدل نفقات سفر وحفلات وسيارات وغيرها من المصاريف الهامشية. تعترف الدوائر الرسمية الخليجية التي واكبت هذه القضية بكل تفاصيلها و خلفياتها أنها فوجئت بالأبعاد و التداعيات التي اتخذتها القضية لجهة إحداث شرخ كبير في طبيعة العلاقات بين قيادات حماس الداخل و قيادات الخارج.






العلاقة مع إيران






نقلت هذه الأوساط استياء الشيخ ياسين المتزايد مما وصفته بخسارة الحركة لاستقلالية قرارها و اعتمادها على جهات اجنبية، و في هذا السياق ذكر الشيخ بمحاولات إيران الرامية إلى التأثير على قرارات الحركة لكي تتطابق مع السياسة الايرانية في المنطقة و بالاخص المحاولات الاخيرة لتمويل و تدريب مجموعات مستقلة لكي تنفذ عمليات داخل الاراضي الفلسطينية بأوامر مباشرة من طهران و تصبح أداة في يد إيران للتأثير على الوضع في المنطقة، كما ابدى الشيخ ياسين استياءه من العلاقات القوية "اكثر من اللازم" حسب تعبيره التي تربط ممثل حماس السابق في طهران مع القيادة الايرانية، حيث اعتبر الشيخ ان ممارسات طهران تتناقض مع الوعود التي قطعتها له القيادة الإيرانية أثناء زيارته لإيران بعد إطلاق سراحه من السجن. تضيف هذه المصادر أن الشيخ أبدى انزعاجا شديدا و شكوكا في بعض الزيارات و الاتصالات التي تجريها بعض قيادات حماس الخارج مع عدد من الدول الأخرى التي لا يؤمن بمصداقية تحالفاتها مع حماس، و يعتبر ياسين الزيارات و الاتصالات محاولات من بعض قيادات الخارج للبحث عن جهات خارجية تؤيد موقفها في خلافاتها مع قيادة الداخل.

أخي محمد دحلان...هاهم يعبرون عن إنحرافهم العقائدي

شاهد الفيديو التالي لتدرك إنحراف حماس العقائدي
http://www.youtube.com/watch?v=HBU651Q4m58

الخميس، 1 يوليو 2010

للتاريخ: مقابلة محمد دحلان مع تلفزيون العربية يوم 27/11/2005

اسم القناة: العربية




اسم البرنامج: ضيف وحوار


اسم مقدم البرنامج: هديل وهدان


التاريخ: 27/11/2005














ضيف الحلقة محمد دحلان وزير الشؤون المدنية الفلسطيني


هديل وهدان: مشاهدينا الكرام أسعد الله أوقاتكم بكل خير وأهلاً ومرحباً بكم, يبدو أن الجمود الذي تشهده العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لم يعكس نفسه أبداً على الساحة الداخلية الفلسطينية التي تشهد الكثير من المتغيرات, للحديث عن هذه القضية وقضايا أخرى نستضيف معاً السيد محمد دحلان وزير الشؤون المدنية في الشرطة الفلسطينية، سيد محمد أهلاً ومرحباً بك, افتتحتم بالأمس معبر رفح وظهر المشهد وكأنه إنجاز عظيم حققتموه على الرغم من أنه استحقاق طبيعي للخطوة الأحادية التي قامت بها إسرائيل بالانسحاب من غزة, أين الإنجاز؟














المتغيرات على الساحة الفلسطينية الداخلية










محمد دحلان: هو استحقاق طبيعي في نظر الذين لا يعلمون ولا يعرفون تفاصيل ظلم الاحتلال على مدى السنوات الطويلة الماضية, هو إنجاز صغير في نظر الذين يستقلون سياراتهم ويتحركون بين بلد وآخر بحرية دون الاعتداء على كرامتهم, هو استحقاق بسيط إذا ما قورن بالحياة الطبيعية لأي مواطن له حق السفر والحركة والعلاج في الخارج, ولكنه استحقاق تاريخي من وجهة نظر المواطن البسيط والكبير الذي له مصلحة في الخروج من هذا السجن الكبير الذي اسمه قطاع غزة الذي حوصر على مدى سنوات طويلة والذي لا يُسمح على مدى سنوات الاحتلال منذ عام 67 وحتى خروج الاحتلال بالأمس إلا لـ 10% من الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة بالحركة من قطاع غزة إلى الخارج, لذلك هو من وجهة نظري ومن وجهة نظر الجمهور الذي يعاني الأمرين من إجراءات الاحتلال هو تحول استراتيجي وتاريخي في حياتهم اليومية هذا ما شاهدته اليوم حين شهدت وتابعت عن كثب في معبر رفح حركة المواطنين خلال الأربع ساعات التي فُتحت فيها المنفذ اليوم






هديل وهدان: طيب هل من ضمانات فيما يتعلق باستقلالية هذا المعبر وضمان عدم إغلاقه في حال أي عملية أو أي تفجير حصل سواء في الضفة أو في غزة؟






محمد دحلان: إذا لم يتعطل العمل لأسباب أمنية داخل المعبر المعبر سيكون مفتوحاً على طول السنة كاملة دون إغلاق ولكن هذا مرهون بالإجراءات والترتيبات الداخلية والسلطة صاحبة القرار في ذلك






هديل وهدان: كان هناك الكثير من التخوفات من قبل بعض فصائل المعارضة وتحديداً حركة حماس بأن السلطة تلعب على هذا المعبر دور الشرطي الإسرائيلي لكن بزي رسمي فلسطيني؟






موضحا أن صلب الفلسفة الإسرائيلية هي القمع بحق أبناء شعبنا وعدم السماح لنا بالدفاع عن أنفسنا وللأسف هذا هو منطق حماس حيث تريد فرض أجندتها الحزبية وقتل أبنائنا وأن نصمت لا أن ندافع عن أنفسنا






محمد دحلان: أنا لا يعني لي رأي المعارضة الفلسطينية بالمطلق حين كنت أمثل الشعب الفلسطيني في هذه المفاوضات ما كان يعني لي، أولاً: هو مصلحة المواطن الفلسطيني العادي البسيط ومصلحة السلطة ومصلحة كل مواطن فلسطيني بما في ذلك المعارضة الفلسطينية، لذلك حين طلبت إسرائيل أن يكون هناك كشف يُمنع من السفر قاتلنا على طاولة المفاوضات من أجل ألا نوافق على ذلك، وقد أخذنا كل ما طلبناه وقد رفضنا المطلب الإسرائيلي الذي كان مطلباً جدياً تعرضت له وزيرة الخارجية على مدى أربع ساعات فيما أطلق على تسميته بلاك ليستد أنه مجموعة من الأشخاص لا يُسمح لهم بالخروج، نحن رفضنا ذلك مطلقاً ولم يرد ذلك في الاتفاق ولا يوجد أي اتفاق أو تفاهم يلزم الجانب الفلسطيني بعدم منع أو السماح لأي مواطن فلسطيني من الخروج ممن يحملوا بطاقة هوية فلسطينية، ولكن المنع ربما يكون من قبل السلطة الفلسطينية لأسباب لها علاقة بالقضاء، لها علاقة بالقانون، لها علاقة بالحفاظ على النظام العام، هذه المسألة تتكفل بها السلطة الفلسطينية ولا شأن لإسرائيل بها مطلقاً






هديل وهدان: طيب ما هي الاستحقاقات التي سيتوجب على السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية القيام بها لضمان استمرار العمل في هذا المعبر على.. كما تم؟






محمد دحلان: هي ليست ضمانات تُقدم لإسرائيل بقدر ما هي ضمانات تُقدم للشعب الفلسطيني من قبل السلطة الفلسطينية في أن يكون المعبر آمناً وأن تتخذ السلطة كل الإجراءات بالتساوي دون تمييز على كل مواطن فلسطيني، ألا نميز بين وزير وبين مواطن، ألا نميز بين شخص ووزير أو ابن مسؤول ومواطن عادي، هذه ترتيبات السلطة كفيلة بها، واليوم وضعنا مجموعة من قواعد العمل ألزمنا بها كل العاملين بأن يلتزموا بها وهي تتعلق بكيفية التعامل مع المواطنين الفلسطينيين، تتعلق بكيفية التعاطي مع نظام الجمارك في ألا يُستثنى أحداً من أن يُسأل أمام الجمارك الفلسطينية عما يحمل من مسموحات أو ممنوعات يجب أن ينطبق عليه القانون في أن يتعرض لجمرك أو إجراءات جمركية من قبل الجمارك الفلسطينية، ولن يُستثنى من ذلك أي وزير أوأي مسؤول هم سواسية، مثلهم مثل أي مواطن فلسطيني






هديل وهدان: طيب سيد محمد فيما يتعلق بالدور المصري، هل من استحقاقات؟ هل من التزامات فلسطينية؟ يعني من غير الطبيعي أن تقوم مصر بتحمل هذه المسؤولية بدون أن تضمن أيضاً سلامة حدودها وسلامة أيضاً علاقتها سواء مع إسرائيل أو مع المجتمع الدولي؟






محمد دحلان: لا، بالتأكيد مصر تحملت ولا أحد يستطيع أن يتجنب ذلك، مصر تحملت مسؤولية كبرى في هذا الاتفاق ولولا استعداد مصر لتحمل هذه المسؤولية لما خرجت إسرائيل من المنطقة الحدودية ولما خرجت إسرائيل منفذ رفح، ربما كان ذلك سيتسبب في كثير من الإشكالات ولكن مصر أخذت على مسؤوليتها هذه المسؤولية في أن تضمن مع السلطة الفلسطينية مسؤولية الحدود طبقاً للقانون الدولي، ونحن كفلسطينيين معنيون بأن نحافظ على هذه الحدود آمنة بأن نمنع بشكل قطعي أي فرصة لتهريب الأسلحة أو الممنوعات أو تهريب الأفراد أو تجاوز القانون، هناك مصلحة فلسطينية شعبية ورسمية في أن تُضبط الحدود وأن يُضبط المنفذ وأن تطبق فيه القوانين الفلسطينية حتى نعطي مثلاً أولاً: للمجتمع الفلسطيني أنه لا يوجد هناك تمييز وثانياً: للمجتمع الدولي أن الحياة تتغير في الحدود أو في أي بقعة جغرافية يخرج منها المستوطنون ويخرج منها الجيش الإسرائيلي تكون أكثر أمناً وأكثر استقراراً وأكثر سلاماً وأكثر تسهيلاً على المواطنين الفلسطينيين، وهذا ما شاهده الطرف الثالث اليوم حين كانت الإجراءات سهلة وسلسة، المدة الزمنية لإتمام إجراءات المسافرين للباص الذي يحمل خمسين راكباً هي فقط 15 دقيقة، في السابق كانت 15 يوم مع إسرائيل






هديل وهدان: طيب الآن مع الانسحاب من غزة وفيما بعد افتتاح المعبر، هل استعدتم السيادة على غزة؟ هل تعتبر بأن غزة سيادة فلسطينية كاملة؟






محمد دحلان: بالتأكيد لا، ويجب أن يكون مفهوماً لدى الجميع، نحن لا نلهث خلف السيادة في قطاع غزة لأننا لا نريد أن نقسّم مفهوم السيادة بين قطاع غزة والضفة الغربية، دوماً نحن نطالب بأن يكون هناك وحدة جغرافية ووحدة سياسية ووحدة أمنية، لذالك من الناحية القانونية قطاع غزة لا زالت هناك مسؤوليات إسرائيلية عليه ولا نريد أن تتخلى إسرائيل عن هذه المسؤوليات، لذلك قطاع غزة مربوط في الضفة الغربية ومستقبل قطاع غزة في مفهوم السيادة سيبقى مربوطاً بمصير الضفة الغربية، ولكن مسؤولية السلطة توسعت أكثر في قطاع غزة بحيث نسيطر بنسبة لا تقل عن 95% على منفذ رفح بنسبة 100% على الحدود، بنسبة أكثر في قطاع غزة، لا يوجد مستوطنون ولكن الطيران الإسرائيلي يحلق في أجواء قطاع غزة، لا زالت إسرائيل تتحكم بالخروج من قطاع غزة عبر إسرائيل للضفة الغربية وهذا يعتبر انتقاص لمفهوم السيادة، لذلك مفهوم السيادة وموضوع السيادة مؤجل لقضايا الحل النهائي






هديل وهدان: طيب هل أنتم مستعدين فنياً وبشرياً لتولي السيطرة الأمنية على غزة خاصة بعد افتتاح معبر رفح؟






محمد دحلان: بالتأكيد نعم، اليوم كان شاهداً على نجاح السلطة ونجاح الكادر الفلسطيني الذي دُرب على مدى الأسابيع الماضية في أنهم نفّذوا مهمة العمل سواء في الجمارك أو الأمن أو ترتيبات الدخول والخروج بطريقة مثلى وشهد لنا اليوم الأول مع الطرف الثالث أنهم ذُهلوا بحجم المهنية العالية التي تحلّى بها الضباط الفلسطينيون سواء في الجمارك أو الأمن أو الجوازات أو كل القطاعات التي تغطي عمل المنفذ؟














ضغوطات للمفاوضات حول الضفة الغربية










هديل وهدان: ذكرت بأن قضية افتتاح معبر رفح وغزة هي خطوة أولى باتجاه الضفة الغربية، ألم يحن الوقت بعد لبدء مفاوضات أو ربما حوار أو ربما ضغوطات على إسرائيل لتحقيق أيضاً تغييرات على مستوى الضفة الغربية؟






محمد دحلان: بالتأكيد نعم ، والاتفاق كفل لنا ذلك، أنا من وجهة نظري ومن الطبيعي أن أدافع إلى حد ما عن أي اتفاق كنت طرفاً فيه، ولكن هذا الاتفاق الذي توصلنا إليه برعاية الوزيرة رايس والنشاط الدؤوب الذي قام به ولفنسن تحقق أربع قضايا جوهرية كنا دوماً نطالب بها، أولاً: أن نكون على معبر رفح ومسؤولين عن حركة الدخول والخروج ، ثانياً: أن نجذب طرفاً ثالثاً ويفضل أن يكون أوروبياً ، وحصل ذلك لأول مرة منذ عشر سنوات في هذه المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تُجبر إسرائيل على الموافقة على وجود طرف ثالث، ونقطة ثالثة: هي الربط الجغرافي في تسهيل حركة الأفراد والبضائع ما أُطلق على تسميته ممر آمن بين الضفة وغزة سيبدأ العمل به في 15 ديسمبر للأفراد و15 يناير للتجارة بين الضفة وغزة وهذا يعتبر تشديد وتأكيد على الربط الجغرافي بين الضفة وغزة ، والنقطة الأهم من كل ذلك هو: أن إسرائيل قبل نهاية هذا العام يجب أن تقوم بإزالة كل الحواجز الداخلية وتفتح المدن وتخلي المدن من الاحتلال الذي بدأ في بداية الانتفاضة ، هذه العناصر الأربعة من وجهة نظري هي أبرز عناصر سياسية وأمنية وتفاوضية كنا قد حقّقناها خلال هذه المفاوضات، لذلك إسرائيل تحاول أن تتملص بشكل أو بآخر من هذه التفاهمات






هديل وهدان: طيب هل من بوادر لإعادة الحوار أو المفاوضات مع إسرائيل خاصة وأن هناك الكثير من المعلومات غير الرسمية التي تصدر عن وجود دور أميركي على ما يبدو ضاغط على الطرفين باتجاه إعادة المفاوضات أو الحوار؟






محمد دحلان: ربما هذا التفاهم الذي توصلنا إليه برعاية أميركية هو أول تفاهم منذ خمس سنوات برعاية أميركية، أول نشاط أميركي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لهذه الإدارة هذا التفاهم، لذلك نحن نأمل هذا الاتفاق والتفاهم هو يمثل البنية التحتية لإعادة عملية السلام من جديد وإلزام إسرائيل بالانطلاق حول القضايا التي تمثل حجماً أكبر من القضايا التي تم التفاهم عليها وهي قضايا مرتبطة بتنفيذ تفاهمات شرم الشيخ أو الدخول في مفاوضات الحل النهائي، نحن ندرك أن المستقبل القريب سيشهد أحداثاً جساماً في الساحة الفلسطينية أو الساحة الإسرائيلية، هناك زلزال في الجانبين ومن وجهة نظري هو زلزال إيجابي، انتخابات في الجانب الفلسطيني في التنظيمات بلا استثناء، انتخابات عامة في شهر يناير، انتخابات في الجانب الإسرائيلي في شهر إبريل، وكل هذه التفاعلات ستحدث ربما انطلاقة أو أمل لعملية السلام أكثر جدية وأكثر مصداقية






هديل وهدان: بما أنك بدأت الحديث عن الانتخابات الفلسطينية، هل تعتقد بأن الجانب الفلسطيني بكافة طوائفه سواء كانت سلطة أو فتح أو حماس أو غيرها من التنظيمات، هل أنتم مستعدون فعلاً لخوض هذه الانتخابات في يناير المقبل على الرغم من كل المتغيرات الداخلية التي تحدث؟






محمد دحلان: أولاً مستعدون أو غير مستعدين هذا لا يجب أن يكون محط نقاش, يجب أن تكون الانتخابات في موعدها في 25 يناير لا مجال للتملص من ذلك هذا استحقاق ومطلب فلسطيني داخلي وشعبي ورسمي, وبالتالي موعد الانتخابات ليس مطروحاً للنقاش, على كل الفصائل أن تتخذ كل تدابيرها من أجل خوض هذه المعركة الديمقراطية لتعميق مفهوم تداول السلطة السلمي وانتخابات ديمقراطية تأتي بأجيال جديدة تسمح بتواصل أجيال قديمة، هذه مسألة ونهج كنا قد اخترناه منذ سنوات، كنا طالبنا به الرئيس عرفات رحمه الله، تعزز ذلك وبدأنا في انتخابات داخلية في فتح ونأمل أن تحدث الانتخابات في الموعد المحدد لها






هديل وهدان: سيد محمد يبدو أن الكثير من العقبات ما زالت بانتظار خطوة الانتخابات الفلسطينية في 25 من يناير نتحدث عن هذه العقبات مشاهدينا مع ضيفنا السيد محمد دحلان وزير الشؤون المدنية لكن بعد هذا الفاصل






هديل وهدان: مشاهدينا أهلاً ومرحباً بكم من جديد ونستأنف مع ضيفنا محمد دحلان وزير الشؤون المدنية، سيد محمد كنا قد توقفنا حول قضية الانتخابات الفلسطينية والعقبات التي تواجهها، ألا تعتقد بأن إجراء الانتخابات في شهر يناير المقبل وهذا يعني قبل شهرين فقط من إجراء الانتخابات الإسرائيلية سيضع الانتخابات الفلسطينية ومن يمكن أن تُفرز هذه الانتخابات سواء كانت وصول حماس إلى المجلس التشريعي بشكل قوي أو غيرها من الفصائل أن يضعها على الأجندة الإسرائيلية بحيث تصبح عنوان للدعاية الإسرائيلية خلال الانتخابات العامة عندهم في شهر مارس؟














الانتخابات الفلسطينية والعقبات










محمد دحلان: ربما يحدث ذلك نحن منذ عشر سنوات بدأنا نصبح على جدول الأعمال الإسرائيلي كل يوم وفي كل الساحات وعلى مستوى كل الأحزاب، نحن رقم لا يمكن لإسرائيل أن تتجاوزه وأصبحنا جزءاً من حياتهم الداخلي الأمنية السياسية والاقتصادية، وبالتالي لا يستطيعوا أن يتجنبوا هذا الوجود وهذا يُعتبر انتصار للإرادة الفلسطينية التي أصبحت جزءاً من الحياة الداخلية في إسرائيل، كذلك الجانب الإسرائيلي ولكن بطريقة أقل تأثيراً على الجانب الفلسطيني، لذلك أنا متأكد أن الانتخابات في الجانبين ستؤثر على الوضع لدى كلا الطرفين، أما من ناحية الجانب الفلسطيني نحن مستعدون لهذه الانتخابات ويجب أن نكون مستعدين على الرغم من كل العراقيل التي ربما تنشأ إسرائيلية أو بعض الشخصيات السياسية الفلسطينية أو الحزبية التي لا تريد أن تخوض معركة الانتخابات ومعركة الديمقراطية، هم بعض الأشخاص بالنسبة لهم عُينوا قبل ألف سنة وانتهى الموضوع يجب أن يستمروا من وجهة نظرهم إلى الأبد، وبالتالي الانتخابات هي قرار أصبح خلفنا انتهى الأمر فيه والنقاش فيه، الآن النقاش حول كيف نستطيع أن نسخّر كل العقبات ونزيلها في طريق الانتخابات






هديل وهدان: لكن ألا تعتقد بأن تكون مجرد رقم صعب كما ذكرت في المعادلة الإسرائيلية أيضاً غير كافي إذا لم تكن مؤثر بما يكفي، فمتى سيكون للحياة السياسية الداخلية الفلسطينية تأثير مباشر على السياسة الإسرائيلية بحيث يتم اختيار أو يقوم الشارع الإسرائيلي باختيار ممثليه وفقاً للعلاقة مع الفلسطينيين؟






محمد دحلان: هو السؤال الأنسب: نحن مؤثرون في أي حالة من الأحوال، ولكن يجب أن نكون مؤثرين بشكل إيجابي، نحن أثّرنا في السابق ولكن بشكل سلبي، العمليات التي حدثت عام 1996 نتيجة رد فعل على خطأ إسرائيلي حين قتلوا الشهيد يحيى عياش أثّرت سلباً وجاءت بنتنياهو إلى الحكم فانتهت عملية السلام، والآن نعود الكرة مرة أخرى، لذلك يجب بالتأكيد الدور الفلسطيني دور حاسم في الحياة السياسية الإسرائيلية، ولكن يجب أن يكون هذا الدور دور حاسم بشكل إيجابي بحيث يكون لنا بشكل أو بآخر تأثيراً على الجمهور الإسرائيلي، وهذا ممكن، وهذا سيكون لعملية السلام، وأنا أعتقد أن فصائل المعارضة قد أدركت متأخرة هذا العنصر الهام والاستراتيجي في تحديد آليات العمل داخل إسرائيل






هديل وهدان: أستاذ محمد هناك تنافس كبير على القرار الداخلي الفلسطيني الآن تحديداً بين مختلف الفصائل التي تحاول أن تثبت نفسها على الخارطة السياسية، فتح على سبيل المثال تخوض انتخابات يمكن القول بأنها انتخابات عنيفة على المستوى الداخلي أيضاً لإفراز مرشحيها نحو المجلس التشريعي، ما موقفك مما يجري في داخل حركة فتح خاصة وأن الانتخابات تقريباً تمت وإن لم تعلن النتائج؟






محمد دحلان: الانتخابات كما تذكرين أنا من أوائل.. لا أريد أن أقول أول شخص طالب بهذه الانتخابات علناً مع الرئيس عرفات رحمه الله منذ ثلاث سنوات، أنا مدرك أن الانتخابات الداخلية في فتح هي الحل الأقرب لتوحيد وتقوية وتصليب هذه الحركة العملاقة وأنها حين غابت الديمقراطية عن الحركة أصبحنا قيادة بلا قاعدة وقاعدة بلا قيادة، وبالتالي أنا أرى أن هذا النهج ينتصر أخيراً بعد سنوات طويلة من إبعاد الديمقراطية عن النهج اليومي للحركة أخذت مجراها بالأمس وبغض النظر عمن نجح ومن لم ينجح، وبغض النظر عن هذه النتائج، ولكن ما حدث بالأمس هو حدث وتحول استراتيجي في طريقة أداء الحركة في أن يختار أبناء الحركة ممثليهم في المجلس التشريعي، هذه ستقود بالتأكيد إلى انتخابات أخرى داخل الحركة لاختيار قيادة هذه الحركة






هديل وهدان: لكن الكثير من التشكيك يدور حول نتائج هذا..






محمد دحلان: هذا وضع طبيعي ووضع مقبول ووضع متوقع، وإذا لم نتوقع ذلك نكون مخطئين، هذه أول انتخابات في تاريخ حركة فتح تجري بهذه الطريقة، منذ أربعين عاماً لم يحدث مثل هذه الانتخابات ، لذلك النتائج التي استمعنا إليها ربما شكّلت صدمة للبعض وربما شكّلت تشجيعاً وفتحت أفقاً للبعض الآخر، نحن في حركة فتح للأسف الشديد مع احترامي لكل الأداء الذي تم من قبل قيادة حركة فتح إلا أننا لا زلنا ننتهج تراكم الأجيال بدل تدافع الأجيال ، الانتخابات هي الحل الحاسم مع ضرورة أن نحافظ على احترامنا لكبارنا وفتح الأفق والأمل لصغارنا وللجيل القادم في هذه الحركة






هديل وهدان: لكن ربما النتائج سيد محمد تتناقض بعض الشيء مع التوجهات أو النهج الموجود لدى السلطة الفلسطينية بدليل بروز عدد أو ظهور عدد من الشبان الفتحاويين في الحركة الذين هم إما عسكريين تابعين لشهداء الأقصى أو أسرى ومعتقلين ، يعني كيف سيتمكن النظام السياسي الفلسطيني فيما بعد من احتمال هذه التناقضات؟






محمد دحلان: بالعكس هذا شرف للحركة أن ينتصر في الانتخابات حملة البنادق والإخوة الذين يقبعوا في السجون الإسرائيلية ، هذا شرف لآلاف الشهداء ووفاء لآلاف الشهداء والأسرى الذين كانوا وقوداً لهذه الحركة على مدى السنوات الماضية، بالعكس الظلم كان في السابق في ألا يكونوا مؤثرين في مستوى اتخاذ القرار ، ولكن أنا أعتبر أن خطوة الأمس هي بداية تصحيح الأداء ولكن بنهج ديمقراطي وأن نحتكم إلى العمل الديمقراطي بدلاً من عقلية الانقلابات والانشقاقات التي كانت في بيروت في السابق






هديل وهدان: بالحديث عن موضوع الأسرى وترشح البعض منهم الانتخابات وحصولهم على نسبة عالية من الأصوات ألا يوجد أي اتفاقات أو أي أفق للإفراج عن عدد آخر من الأسرى قبل نهاية العام على الأقل أسرى غزة على اعتبار بأن غزة قبل الانسحاب منها. هديل وهدان: هذه إحدى البنود الجوهرية الموجودة طاولة البحث في القيادة الفلسطينية في الاجتماع الذي فشل في لقاء الأخ الرئيس أبو مازن مع شارون ، في الفترة السابقة كان موضوع الأسرى هو نقطة التفجير في ذلك ، هناك أطراف تحاول الآن أن تتوسط بيننا وبين الإسرائيليين لعودة هذه الأمور لما كانت عليه في السابق ، نأمل أن نصل إلى حل يقدم حلولاً جوهرية لقضية الأسرى ، مع إدراكنا أنه خلال عملية التفاوض تم الإفراج عن 9500 سجين فلسطيني ، منهم على الأقل 4000 أحكام عالية تجاوزت 20 عاماً، نحن الآن بصدد التركيز فقط على ذوي الأحكام العالية الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية والحالات المرضية التي يُعتبر عار على إسرائيل أن تحتفظ بهم حتى هذه اللحظة، حالات تعاني من أمراض مزمنة مثل السرطان وغيره لا زالت إسرائيل تعتقلهم كرهائن، لذلك موضوع الأسرى سيكون من أولويات السلطة الفلسطينية ونأمل أن يتم زحزحة هذا الملف قبل نهاية هذا العام






هديل وهدان: سيد محمد أن عضو بالحكومة الفلسطينية الحالية وأيضاً تنوي ترشيح نفسك للانتخابات في قطاع غزة وستخوض ولا شك الانتخابات الداخلية التمهيدية في الحركة، هل قدمت استقالتك من الحكومة؟






محمد دحلان: بالتأكيد قدّمت استقالتي من الحكومة في الموعد الذي طُلب مني ذلك أنا وزملائي الوزراء، ولكن حقيقة أنا لا أتابع العمل الحكومي، أنا أحافظ على اتصال وإطلاع الأخ أبو علاء رئيس الحكومة على ما يجري الآن لأني منشغل تماماً في متعلقات الاتفاق وتنفيذه على معبر رفح وعلى المعابر الأخرى ونجهز لمسألة الربط بين الضفة وغزة وكذلك إزالة الحواجز من الضفة الغربية ولحسن أو لسوء حظي أنني مسؤول عن هذا الملف ، وبالتالي أنا أنتظر من الأخ أبو مازن والأخ علاء أن يقدموا فتوى قانونية لعملي ، إذا كان ذلك يتعارض مع ترشيحي بالتأكيد سأترك هذا العمل على الرغم من أهمية متابعة تنفيذ هذا الاتفاق، ولكن بالتأكيد أنا اخترت أن أرشح نفسي لأنني من الذين نادوا بانتهاج الانتخابات والديمقراطية في اختيار ممثلين سواء في المجلس التشريعي أو في الحركة ، وبالتالي لا أستطيع إلا أن أعمق هذا النهج لأنه الأقرب لتصليب وتصحيح كل العمل الفلسطيني






هديل وهدان: طيب إلى أين تمضي بعد خوض الانتخابات الداخلية في فتح وفيما بعد ربما التشريعي إلى أين تمضي بعد ذلك؟






محمد دحلان: بالتأكيد إذا وُفقت في أن أكون جزءاً من البرلمان الفلسطيني لكل.. يعني حين تنتهي الانتخابات والانتخابات تضع أوزارها ستكون انتخابات استثنائية ومميزة، جدل في داخل حركة فتح لاختيار ممثليهم وجدل في أوساط حركة حماس بالمناسبة هناك أيضاً جدل ساخن ولكنه لا يجري بالطريقة الفتحاوية التقليدية بل يجري في الغرف المظلمة ، ثم بعد ذلك الجدل الساخن سيكون بين حركة فتح وحركة حماس، ولكنه جدل ديمقراطي وجدل سيكون لصالح الشعب الفلسطيني ولصالح الناخب الفلسطيني






هديل وهدان: ربما سيد محمد الكثير من المتغيرات ستشهدها الساحة الفلسطينية خلال المرحلة القادمة ليس فقط على الصعيد الداخلي ولكن أيضاً على صعيد العلاقة مع إسرائيل والمجتمع الإقليمي والدولي






على الأغلب سيكون لنا لقاءات أخرى لتغطية هذا الموضوع ، أعزائي المشاهدين شكراً لكم لمتابعتكم ونلقاكم قريباً





الأربعاء، 30 يونيو 2010

حوار خاص مع قناة فرانس 24، أعرب محمد دحلان،

لقاء الأخ محمد دحلان الأول بعد إنقلاب حماس الدموي في قطاع غزة

السيرة الذاتية للسيد محمد دحلان


الولادة و النشأة:


وُلد محمد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة, بتاريخ 29/9/1961م, لأسرةٍ هاجرت من قرية “حمامة” عام 1948م, و استقرت في المخيم على أمل العودة التي لا تزال تحلم بها حتى الآن, كباقي الفلسطينيين المشتتين عن ديارهم. سافر أبوه للعمل في السعودية عام 1964م, طلباً للقمة العيش تاركاً زوجةً وأربعة أبناء؛ محمد أصغرهم, و بنتين اثنتين, بدأ الطفل ينضج في ظل واقع نكسة حرب حزيران, و ما تلاها من احتلالٍ مرير لقطاع غزة و الضفة الغربية, الأمر الذي كان بداية التوجه الفكري الوطني للصغير الغض محمد و الأسرة كلها, فيما ساعد على تشكل هذا التوجه أن أخواله قد قضوا نحبهم شهداء , على أيدي القوات الإسرائيلية ما بين عامي 1969م – 1971م, و كان عمه قد سبقهم شهيداً عام 1947م, الشيء نفسه الذي جعل من علاقة هذا الأسرة مع الاحتلال علاقةً عدائية شخصية و ثأرية, تلقى دحلان تعليمه الأساسي و الثانوي في مدارس المخيم, و كان معروفاً بين أقرانه و جيرانه بدماثة أخلاقة, و حسن سيرته و صدقه و جراءته الملموسة و التزامه بتعاليم الدين, إذ كان لا يترك فرضا و لا عبادة إلا أداها مطمئناً, بتشجيع والدته التي دفعته نحو الاستقامة و أولته رعايةً خاصة, بحكم أنه الأصغر في العائلة ,و لتعويض ما قد يشعر به من حرمان, جراء بُعد والده عنه الذي لم يراه إلا في إحدى زيارات السجن, حينما كان معتقل.



كان فكره لا يزال غير مؤطر سياسياً,و لكنه شديد الكراهية للاحتلال و إفرازا ته التي يعايشها بشكل يومي ,و أهم تلك الإفرازات صبغة اللجوء التي شكلت في نفسه الهم الأول , ذهب للعمل داخل الخط الأخضر أثناء إجازاته الصيفية في الثانوية , على الرغم من أن أخاه الأكبر كان ميسور الحال و باراً بأسرته , و لكن هذا كان عُرفاً سائداً بين أوساط الشباب الفلسطينيين آنذاك وقت , لكوِن تجربة العمل في قيظ الصيف و الصبر عليه ,تزيد من قوة الشخص على تحمل أعباء الحياة فيما بعد , فتعلم مبادئ و أوليات اللغة العبرية و صار يتحدثها بقصد التعلم , عُرف عنه شغفه بالرياضة على مختلف أنواعها و تردده على إستاد خان يونس الرياضي, الذي صار فيما بعد مقراً لممارسة النشاط السياسي و التنظيمي السري , و قد تم اعتقاله اعتقالاً عشوائياً في إحدى المظاهرات, التي لم يتأخر عن أيٍ منها و هو في الثانوية العامة , و بعد فترة وجيزة وجد محمد دحلان نفسه يُعد للسفر إلى مصر للدراسة في كلية التربية الرياضية ,بعد أن اجتاز “التوجيهي” بنجاح ,,, و هنا تبدأ الحكاية التي سنأتي على ذكرها , إلا أننا يجب أن نذكر أن سلوك محمد دحلان في صغره لم يتغير عنه و هو كبيرا , بل انعكس على المؤسسة الأمنية التي كان يديرها, بالاعتدال و الصدق و الأمانة و تحري الحق و تجنب المحرمات و محاربتها , و يذكر مسئولون و موظفون في أماكن يتردد عليها دحلان, نزاهته و مدى التزامه بتأدية حق الله عليه بالصلاة مع دخول وقتها , و يشيد الجميع بتعففه عن النساء في الحِل والترحال , و ترفعه عن الخمر و بساطته مع الناس, و لعل هذه نقطة من نقاط قوته كشخص و كمسئول أمني سابق .



* بداية المشوار الطويل:



لم يكن الشاب اليانع محمد دحلان يبلغ سن التاسعة عشر من العمر, عندما حزم حقيبته و اتجه إلى مصر, للالتحاق بكلية التربية الرياضية عام 1979-1980م, و كان هذا خروجه الأول من فلسطين التي كانت تعيش منذ عام 1974م و حتى ذاك التاريخ مرحلة استرخاءٍ سياسي و عسكري, شمل كل التنظيمات الفلسطينية الفاعلة على الأرض, جاء ذلك السكون بالتزامن مع خروج القوات الفلسطينية من الأردن, مما انعكس سلبا على العمل الفدائي داخل الأراضي المحتلة.



و ما أن وصل الطالب محمد دحلان للقاهرة, حتى بدأ في التعرف على الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في الجامعات المصرية, دون أن يدري أن هؤلاء الطلاب سيأخذونه فيما بعد إلى لقاءٍ مع أحد كوادر حركة فتح و منظمة التحرير الفلسطينية, فذهب معهم و إذ به يجلس ليس ببعيد عن الشهيد القائد / خليل الوزير “أبو جهاد”, الذي كان يتحدث عن فلسطين و مدنها و شوارعها و حاراتها و كأنه يعيش فيها في تلك الحقبة, الشيء الذي رسم صورةً مثالية في نفس دحلان عن المناضلين, و بدأ حينها الاهتمام و التحول الحقيقي لدحلان نحو السياسة و الانتماء, لتشاء الأقدار بعد فترة وجيزة, أن يحضر نفس الطالب محاضرةً هامة و قصيرة, كانت فكرتها الأساسية أن ساحة المعركة الرئيسية هي الأرض المحتلة, مما غير مسار حياة دحلان الذي قرر العودة إلى قطاع غزة, و العمل في خان يونس بعد أن انتمى طواعية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح, و تذرع لأهلة بحجج متنوعة كي يسمحوا له بالعودة للقطاع, تاركاً مقعد الدراسة في القاهرة, و كان له ذلك أمراً يسيرا, خصوصاً و أن أمه كانت متفهمة لميوله نحو السياسة آنذاك, رغم أنها لا تجيد الكتابة أو القراءة, فدفعته نحو العمل السياسي, و في قلبها غصة كبيرة على إخوتها الشهداء.



توجه محمد دحلان للدراسة في الجامعة الإسلامية, التي كانت في ذاك الوقت معهد ديني متوسط لا يتجاوز عدد طلابه المائة شخص, فيما تسيطر عليه حركة ما كان يسمى بالمجمع الإسلامي التي أصبحت فيما بعد حركة المقاومة الإسلامية حماس, وهنا برزت فكرة تأسيس جسمٍ نقابي يتبع حركة فتح ,كي يكون إطارا نقابياً لمواجهة أطر التنظيمات الفاعلة, التي تسيطر على مجالس الطلبة في الجامعات, التي تشهد سيطرة الحزب الشيوعي عليها, بشكل واضح في تلك الفترة.



بذل دحلان جهداً جبارا في الترويج لهذه الفكرة, التي لاقت استحسان شباب القطاع, ليتم الإعداد فعلاً لميلاد هذا الجسم النقابي الفتحاوي في غزة, و قد سهل ذلك وجود الأخ عبد العزيز شاهين , الذي كان قد خرج للتو من السجن و كان يفكر في نفس الأمر أيضاً, و في غمرة هذه الأحداث أراد المجمع الإسلامي الإشراف على تنظيم مهرجان خطابي, تقيمه جامعة الأزهر في ذكرى وعد بلفور المشئوم, فقرر دحلان إلقاء كلمة بهذه المناسبة, و استأذن من رئيس الكتلة الإسلامية, التي تسيطر على مجلس الطلبة, لتخصيص وقت لكلمة لا تتجاوز الصفحة و النصف في برنامج الحفل الوطني, و تم له ذلك على اعتبار أن دحلان غير منتمي لأي تنظيم سياسي,,, حملت الكلمة التي ألقاها الطالب محمد دحلان تلميحاً وتبشيراً بولادة جسم نقابي طلابي يتبع حركة فتح, و ذلك من خلال ما جاء فيها من تحايا و عبارات تمجد المقاومة و منظمة التحرير الفلسطينية و تتضامن معهما, و بعد ما فرغ من كلمته, عمد دحلان إلى لعب دور الشخصية الغامضة بذكاء, خدمةً للفكرة التي يسعى لها, إذ كان يوحي للآخرين انه يقود عملاً سريا كبيرا, و يوهمهم بامتلاك القدرة و التأثير, مما جعله نقطة جذبٍ و استقطاب للشباب المتحمسين, و محط إعجاب الكثيرين, و من تلك النقطة بدأت تنطلق الحركة الوطنية الفلسطينية “الشبيبة” في غزة لتكون بذلك رديفاً و ساعداً للحركة الطلابية الفتحاوية في جامعات الضفة الغربية, و لاسيما جامعة بيرزيت العريقة, و قد زاد من سرعة انطلاق و تشكل هذه المنظمة النقابية, الديناميكية التي يتصف بها دحلان و مَنْ معه من أخوةٍ منهم من أستشهد على طريق النضال كالأخ محمود أبو مذكور “أبو ظافر” و الأخوين عماد بكير و زياد مصران, و آخرون منهم من ينتظر كالأخوة عبد الكريم القططي و زكريا التلمس و أحمد عيسى و جميلة أبو سمهدانة و نعيمة الشيخ علي مع آخرين , أعانوه و أعانهم على الانتشار و التنظير للمشروع الفتحاوي الجديد, مع أخذ الحيطة و الحذر الشديدين, و اعتماد السرية أسلوباً و منهجاً للعمل الوطني, فيما ساهم إعادة حركة فتح ترتيب أوضاعها الداخلية, على المستويين السياسي و العسكري في تقوية منظمة الشبيبة الفتحاوية, ليستمر العمل السري في تلك الفترة معتمداً على سهولة الأفكار و سرعة هضمها من قبل الجماهير, و استثمر دحلان حدث اغتيال الشهيد المطارد / رفيق السالمي عام 1982م, في تدعيم التوجه العام للشبيبة, و كان ذلك بتعاون كل رفاق النضال في تلك الفترة.



بدأ العمل يزداد سخونةً و زخما مع الاعتقالات المتكررة, التي لحقت بمجموعة العمل الشبابي الوطني, التي كان من أبرز وجوهها محمد دحلان المتصوف من أجل إنجاح مشروع إنشاء الشبيبة و تفعيلها, فبدأ بالتعرف على وجوهٍ جديدة من فئات الطلاب و المستقلين, و المدرسين الذين كان أشهرهم الدكتور/ عبدالله أبو سمهدانة, و الشهيد أسعد الصفطاوي, و اتجه في نفس الوقت للاتصال بالأسير المحرر عبد العزيز شاهين المعروف بأبي علي شاهين, الذي خرج من معتقله عام 1982م كرمزٍ وطني فتحاوي في تلك الحقبة, الأمر الذي أعطى دفعةً قوية للشباب و الشبيبة, و لم تشهد تلك الفترة حتى ذاك التاريخ أي اتصال مع القيادة في الخارج, حيث اعتمد دحلان و من معه على جمع التبرعات, من الطلاب و رجال الأعمال و كذلك من بعض الشخصيات الوطنية, في الوقت الذي لم تتوقف فيه عمليات الاعتقال و التنكيل, و هذه نقطة سنأتي عليها بعد قليل.



لم يكن عام 1983م عاماً اعتيادياً, فقد شهد أول إعلانٍ رسمي عن الإطار الشبابي الفتحاوي, و أعلن دحلان و رفاقه عزمهم على خوض الانتخابات في الجامعة الإسلامية, باسم حركة” فتح”, التي حصلت فيها الشبيبة على نتائج ايجابية و مشرفة بل و مفاجئة, مما أدى إلى بعض المشاحنات مع الكتلة الإسلامية كتيارٍ منافس.



استمر العمل بنفس الروح, و بدأت الشبيبة تأخذ بعداً جماهيريا بين الناس, خصوصاً و أن ما تقوم به من نشاطات اجتماعية, مثل تنظيف الشوارع و المقابر و الحدائق العامة, كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز اسم منظمة الشبيبة في أذهان الجميع, لاسيما مع واقع الاستفادة الذي خلقه الإفراج عن بعض الأخوة من السجون الإسرائيلية مثل الأخ سامي أبو سمهدانة و الأخ أحمد نصر و غيرهم , و على صعيد آخر صار هناك تنسيق كامل مع الشبيبة في الضفة الغربية, و على رأسها مروان البرغوثي, الذي كان فعالاً و نشطاً, فنمت علاقة شخصية منذ ذاك التاريخ بين دحلان و البرغوثي على أساس وطني, و بدأت حالة من التعزيز الداخلي المتبادل في صفوف الشبيبة, في كلٍ من الضفة و غزة, كقيام شبيبة غزة بتأطير المئات من شباب غزة و إرسالهم للضفة الغربية, و كانت شبيبة الضفة الغربية تقوم بنفس الدور مما قوى القواعد و بالتالي القيادات, و من ثم الحالة ككل, كحالة طلائعية وطنية تنتمي لفتح , فيما برز خلال تلك الفترة إلى جانب الأخ محمد دحلان و رفاقه في غزة, أسماء في الضفة الفلسطينية من أبناء غزة و الضفة معاً كالأخ سمير صبيحات و الأخ خالد اليازجي و الأخ جمال الشاتي و آخرون .



لم تتأخر قيادة الشبيبة عن أخذ زمام المبادرة, بالتوعية و التعبئة و التوجيه الوطني, فخرجت في مسيرات كبيرة تضامنا مع الأخ / أبي عمار في المجلس الوطني في القمة التي عقدت في عمان, و استشهد كادر من كوادر الشبيبة و أحد أصدقاء دحلان المقربين, و هو الشهيد شرف الطيبي من مدينة خان يونس عام 1985م, فازدادت الشبيبة قوةً و توهجاً, فيما كانت النتائج الانتخابية في جامعة بيرزيت, تمثل نقلةً نوعيةً للشبيبة بفوزها بمجلس الطلبة هناك, الأمر الذي أعطى انطباعاً أن الشبيبة تسيطر على الضفة الغربية, مما دفع قوات الاحتلال لاعتقال محمد دحلان و كل رموز العمل الوطني في تلك السنة, و لكن قبل هذا التاريخ, كانت إسرائيل قد أبعدت عبد العزيز شاهين إلى منطقة “الدهينية”, و قد سبق ذلك وجود اتصالات مع قيادة المنظمة و حركة فتح, فصار دحلان يراسل الشهيد خليل الوزير, و اقترح عليه وجود عمل عسكري في الداخل, فرفض القائد أبو جهاد ذلك خوفاً على الشبيبة من الانهيار, إذا ما وجهت إسرائيل ضربة قوية لها, فيما كانت رؤية دحلان مع رفيقين اثنين له من قيادة الشبيبة, أن القاعدة الشعبية للشبيبة قد أخذت في الاتساع, و صار الكل يتطلع لقطف ثمار هذا العمل الاستثنائي الناضج, بالقياس مع طبيعة الظرف و الإمكانيات المتاحة, و إلا فإن بعض الهمم ستفتر … فرفض أبو جهاد تلك الفكرة رفضاً مطلقاً, و آثر العمل بنفس الطريقة المتبعة, و هكذا تطورت العلاقة بين دحلان و أبي جهاد و أخذت بعداً إنسانيا و شخصيا مضافاًً إلى البعد النضالي, و تحول عمل محمد دحلان إلى عملٍ جماهيري بشكل واضح و صريح, كقيادي في الشبيبة الفتحاوية؛ معروف عند العدو و الصديق, وقد لازمه الظهور مروان البرغوثي و نافذ سويطات و نبيل مقبول في الضفة الغربية, و بدأت الشبيبة تدخل جميع الأوساط و النقابات و الجمعيات الفاعلة, حتى تم إبعاده من غزة بشكلٍ قسري.



* الاعتقال و قيد السجان:



لم يكن محمد دحلان يفكر وفق مبدأ الربح و الخسارة, عندما اختار طريقه النضالي, بل كان يعرف أن مشواره معبد بالأشواك و المتاعب و ظلام السجن أيضاً, إذ تم اعتقاله أكثر من ست مرات بأحكام متفاوتة, ما بين عامي 1980م – 1986م, لم يكن الأمر في البداية سهلاً أو صعباً, و لكن الرسالة التي فهمها دحلان من أول اعتقال له, أنه أصبح هو و رفاقه في دائرة الاستهداف, الأمر الذي تطلب إعادة ترتيب كل الأوراق منذ البداية من خلال اعتماد السرية أكثر, و التهيئة النفسية على صعيد الأهل و الصعيد الشخصي للاعتقال المفاجئ, و التركيز على تعزيز الثقة بالنفس, و تحمل تبعات اتخاذ أي قرار على المستوى العام و الخاص, مما أفرز قناعةً بعدم الاعتراف التي صارت تكتسب شرعيتها, مع خلال صمود دحلان و فرقته التنظيمية في الاعتقالات اللاحقة,التي لم يكن فيها دحلان مُداناً أو متهماً بارتكابه عمل عسكري, و لكن الإدانة كانت للانتماء لفتح والشبيبة.



و مع تكرار الاعتقالات و تنوعها تعددت أساليب التنكيل و أسباب الاعتقال, خصوصا مع النمو البهيج لحركة الشبيبة التي تبنت و تبناها دحلان, فصار الاسمان متلازمان يُعرفان بعضهما البعض, و لكن الاعتقال الأصعب كان في عام 1985م, لأنه كان على خلفية اتهام تخميني بقيادة عمل عسكري, فمكث في التحقيق “6″ أشهر و “11″ يوم, لم يستطع فيها ضابط المخابرات انتزاع معلومة يتيمة منه, تفيده في تعطيل مد الشبيبة الفتحاوية ليطمئن و يهدأ, و على إثر ذاك الاعتقال التنكيلي,لا يزال دحلان يعاني من ألمِ مستمر في الركبة لحد اللحظة المعاشة, بالإضافة لتأثر عينه اليمنى و أضلاعه, من قسوة الضرب و التعذيب, الشيء الذي يعتز به دحلان و لا يبدي ندماً عليه.



لم يعزل السجن رفاق الأسر عن الحياة, لأنه كان المدرسة الأكثر إعداداً و ترتيباً و تمهيداً لتجارب أقسى, قد يكون إحداها الإبعاد القسري, كما لم يتوقع دحلان في ذاك الوقت ذلك, فقد تعممت ثقافة الصمود و الحذر بين صفوف كل شباب الشبيبة, من خلال جولات الفخار و الشرف في التحقيق أمام المحقق, التي ينهزم فيها السجان و ينتصر فيها أسيره, و هذا ما نجح فيه دحلان مع كل الكادر التنظيمي, الذي استغل فترة السجن لدراسة مناهج ثقافية, فضاعف من ساعات القراءة, على الساعات الثلاث المخصصة له كسجين, و تعلم اللغة العبرية على أصولها و مارس القيادة من الداخل, فكان أنموذجا منيراً و وهاجا لشعلة الشبيبة, ثم أصبح من المحاضرين الأساسيين في السجن للأسرى, و حاول استحضار و مواكبة تطورات قضية الأسرى بعد كل إفراج, في التثقيف الخاص بالشبيبة و على كافة المستويات.



مع استمرار عناد و جسارة دحلان وفشل المحتل في تثبيت قضيةٍ ما عليه في المعتقل, كانت الشبيبة قد صارت و كأنها تنظيم سياسي, و تم الإفراج عن الأسير الشاب دحلان, فيحدث فيما بعد اعتقاله تلقائيا في الاعتقالات الاحترازية, التي كانت تجمع قادة العمل الفتحاوي المتقدم في كل مدينة و قرية و زقاق, حتى أدركت إسرائيل أن دحلان قد تحول إلى خطر, قد يبرز تهديده الأقوى في المستقبل القريب, فاتخذت قراراً بإبعاده خارج فلسطين كلها, بعد أن اعتقلته, فيما اندلعت الانتفاضة الأولى بعد إبعاده بشهور معدودة.



* الإبعاد و المنفى:



لم يكن اعتقال الجيش الإسرائيلي لمحمد دحلان في ديسمبر عام 1986م اعتقالاً احترازياً عاديا, فهذه المرة كانت إسرائيل تبيت نيتها لفعل شيءٍ ما, لمسه دحلان من خلال نمط و أسلوب أسئلة ضابط المخابرات الذي كان يحقق معه, فقد تعمد الضباط أثناء تناوبهم على التحقيق إيصال رسالةٍ لدحلان تقول: أنك قد تملك معلومةً ما و قد لا تملكها؟ و أنك قد تجيب و قد لا تجيب؟ و لكن النتيجة شيء آخر !!! أدركها دحلان عندما قرؤوا عليه قرار الإبعاد و الترحيل القسري خارج فلسطين, دون تحديد المكان الذي سيتجه إليه, و فعلاً تم الإبعاد بعد استكمال بعض الإجراءات الروتينية التي يكفلها قانون دولة الاحتلال, و من ضمنها أن يرى المبعدُ ذويه و يبلغهم بذلك, إلا أن أهله كانوا قد علموا بالقرار من خلال الإذاعة الإسرائيلية, قبل يومٍ من تاريخ معرفة محمد دحلان بذلك, و اقتيد دحلان معصوب العينين, ليجد نفسه على الحدود ا الفلسطينية الأردنية, في يناير من عام 1987م, فاستلمته القوات الأردنية و وضعته في السجن, إلى أن وصل الشهيد أبو جهاد “رحمه الله” إلى عمان, و أُفرج عنه بشرط ألا يمكث في عمان, فتم ترحيله إلى القاهرة التي عاش فيها سبعة شهور, مارس خلالها نشاطه التنظيمي كما كان معتاداً عليه في قطاع غزة, و كانت هذه الفترة فرصة أخرى للقرب من الشهيد خليل الوزير, إلى أن اعتقلته أجهزة الأمن المصرية لأنه ساعد مجموعة من حركة الجهاد الإسلامي, كانت قد هربت من سجن غزة المركزي إلى سيناء, و عمل محمد دحلان على تهريب أفراد المجموعة إلى السودان, و هذا ما رأت فيه مصر إخلالاً بشرط الإقامة, القاضي بعدم ممارسة دحلان لأي أنشطة سياسية, لتبادر مصر بإبعاده إلى بغداد في نفس العام, و هناك كان في انتظاره الشهيد أبو جهاد “رحمه الله”, و بدأت حينها مرحلةٌ جديدة من النضال, حيث الظروف مواتية للقيام بأي نشاط سياسي و تنظيمي, يضاف إلى ذلك امتلاك حركة فتح قاعدة تدريب عسكرية في العراق, الأمر الذي استغله دحلان على خير وجه, إذ طالب أبا جهاد بأن يترك العمل الجماهيري للانتقال للعمل العسكري, و لكن أبا جهاد رفض ذلك و طلب من دحلان الاستمرار في عملة مع العمل العسكري, و متابعة كل أخبار الانتفاضة ونقل توجيهات القيادة للداخل, بما أنه يعتبر من القيادات الشابة و يملك خبرةً لا بأس بها في التركيبة “الكيميائية” لغزة ككل, إذ كان يتوسم فيه خيراً.



لم يكن عمل دحلان يقتصر على وجوده القوي في “الجهاز الغربي” العسكري, المسئول عن العمل الفدائي و القتالي داخل الأرض المحتلة تحت إمرة أبي جهاد, بل استخدم كل حواسه الأمنية من أجل تسهيل إيصال الدعم المالي الكافي للداخل دون أن يكتشف الاحتلال ذلك, و وفر السلاح للمنتفضين وساعد في توجيه “المطاردين”, و الكوادر القيادية في الوطن المحتل, مع سعيه لاستقدام الطلاب الدارسين في الجامعات العربية و الأجنبية, لتلقي التدريبات في العراق بسرية تامة, فيما كان للزيارات التي يقوم بها دحلان لتونس و رحلاته بين بغداد و بينها عظيم الأثر, في التعرف على كل أركان القيادة الفلسطينية هناك, و من ضمنها الرئيس الشهيد الخالد / ياسر عرفات الذي تعرف على محمد دحلان و أُعجب بأدائه, و كان قبلها قد التقاه في بغداد عدة مرات بوجود أبي جهاد, و أمر بنقله لتونس عام 1989م أي بعد استشهاد أمير الشهداء خليل الوزير.



ظل في وجدان دحلان وقع الصدمة التي فاجأته عندما عرف أن ميزانية الأرض المحتلة لا تتعدى أل 2%, من حجم إنفاق منظمة التحرير الفلسطينية, و ذلك في جلسة المجلس الوطني في عمان عام 1985م, عندما ضوعفت النسبة إلى 4% ,الأمر الذي اعتبره دحلان قليلاً و إجحافاً بحق الداخل, فعمل من منفاه على مضاعفة المبلغ ما يزيد على أربعة الأضعاف, و هذا ما تم في تونس عندما أخذ الرئيس عرفات دحلان برفقته للإقامة هناك و العمل في مكتبه بشكل دائم, بعد اندلاع حرب الخليج التي كان العراق طرفاً فيها, فصارت نسبة الصرف على قطاع غزة على سبيل المثال شهريا 250000$ بدلاً من 63000$.



كان عمل دحلان مع القائد العام عرفات في مكتبه, يتمثل في الإشراف و المتابعة و تأمين الرسل من و إلى قطاع غزة, بعد أن عينه عضواً في المجلس العسكري الأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية, مما أكسب دحلان ثقةً كبيرة عند الشهيد عرفات, الذي اعتبر دحلان ابناً له و كان دحلان ودوداً رءوفا بأبيه, و يذكر أحد شهود تلك المرحلة, أن ما ميز دحلان و قربه من عرفات تلك الفترة هو ما يلي:

- تعلق دحلان و اهتمامه بساحة الداخل المحتل.

- امتلاك دحلان زمام المبادرة و إتقانه لعمله.

- قدرة دحلان على نسج علاقات متنوعة مع كل كوادر و عناصر العمل الوطني في الداخل و الخارج.

- معرفة دحلان بطبيعة غزة و حفظه لكل شارع و حارة و زقاق و قصبة في القطاع.

- كون دحلان أحد المؤسسين للحركة الوطنية الفلسطينية “الشبيبة” في القطاع.

- نضال دحلان و سجنه و نفيه أكسبه ثقة مميزة.

- ما يتمتع به دحلان من قدرة على التنظيم و الإدارة, و دقته في الحصول على المعلومة.



و يضيف هذا العارف بدحلان المرؤوس و القائد العام عرفات, بأن ما طرأ من تحسن في أداء الجهاز الغربي في “لجنة غزة” بوجود دحلان, قد عزز من مكانته عند الرئيس, كما لعب دحلان دوراً محوريا في إسناد الانتفاضة ميدانياً, ضد الاحتلال بالرغم من بعده عنها, و لاحق العملاء و نظف المجتمع الفلسطيني من المفسدين و لاسيما من تجار المخدرات, و المسيئين من شاربي الخمر و بائعيها و السُراق و المتطفلين على الوطن و القضية, مما حافظ على ديمومة الانتفاضة و استمرار التعبئة فيها, و من أبرز مهام دحلان الرسمية في تلك الفترة ما يلي:

- ضمان إيصال الأموال في الوقت الحرج و المناسبات بشكل شهري للداخل.

- الإشراف على آليات العمل للانتفاضة و متابعته للخروج برؤية شاملة لإدارتها.

- معالجة القضايا اليومية و السلبيات التي تتعلق بالانتفاضة و المساعدة على سرعة تجاوزها.



* مباحثات السلام:



طبقاً لما أفرزته الظروف العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, و ضرب العراق و فرض الحصار عليه, و غياب عمقٍ عربي حقيقي للقضية الفلسطينية, و هدوء كل خطوط المواجهة مع إسرائيل أو ما يسمى بدول الطوق, و انعدام العمل العسكري مثل ذاك الذي كان في الأردن و لبنان, و تحكم أمريكا و من ثم إسرائيل بالعالم ككل, أدركت القيادة السياسية الفلسطينية ضرورة العودة للداخل, سعياً لإكمال مسيرة النضال حتى الدولة, فاستغلت دعوات الدول العربية و الغربية لها, لخلق سلام عادل و شامل مع تل أبيب يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية, و على هذا الأساس عمل محمد دحلان مع فريق الرئيس في تونس من أجل إنجاح المفاوضات, التي ستعيد إحياء القضية و منظمة التحرير الفلسطينية كما يرى دحلان و الكثيرون ممن يملكون أفقاً سياسيا.



عمل محمد دحلان مع الفريق الفلسطيني في الشتات, من أجل إسناد وفد الداخل في مفاوضات واشنطن, فساهم في اختيار الكادر الذي سيشارك في المفاوضات, و سهل حركة و مهمة أعضاء الوفد, و عمد إلى توضيح صورة الوضع للشارع الفلسطيني, كي لا يحدث أي تجاوز ضدهم, الجدير ذكره في هذا المقام, أن ذلك لم يكن على حساب الانتفاضة و فعالياتها, التي كان دحلان يحافظ على استمراريتها بالتوازي مع المفاوضات, إلا انه لم يعرف بأي شيء عن وجود قناة اتصال و مفاوضات سرية في أوسلو, حتى شهر مايو عام 1993م, فتحدث مع عضو الوفد حسن عصفور في هذا الأمر, و من ثم التقى مع أبي مازن, فوافق دحلان على مبدأ المفاوضات و تقدم بطلبين, الأول يقضي بالإفراج عن الأسرى و المعتقلين السياسيين, لما لهذا الموضوع من حساسية, و يمكن أن يعطي الشرعية لأي تسوية, أما عن الطلب الثاني فهو أمر يتعلق بعودته للداخل, لأنه لم يكن متكيفاً مع حياة الخارج, فرد أبو مازن عليه بأن الطلب الأول سيكون تلقائيا على الطاولة, أما الطلب الثاني فإن إسرائيل ترفضه, على اعتباران دحلان متهم بالقيام بعمليات عسكرية قد تسببت في سفك الدم الإسرائيلي, فترك أمره الشخصي للزمن, و زود أبا مازن بكشوف تفصيلية بأسماء الأسرى.



في مفاوضات طابا طلب أعضاء الوفد المفاوض من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات “رحمه الله”, أن يكون دحلان عضواً معهم, فوافق عرفات لثقته في دحلان و إدراكه أنه يُلم بالكثير من التفاصيل العسكرية و التنظيمية في الداخل و الخارج, و لكن اليوم الأول للمفاوضات شهد رفضاً إسرائيلياً قاطعا, لدخول دحلان إلى القاعة و الجلوس أمامهم على الطاولة, لأن يداه “ملوثتان بالدم الإسرائيلي” و هذا ما نقله الدكتور نبيل شعث و حسن عصفور لدحلان, و استمر الحال على ما هو عليه ثلاثة أسابيع, ليتجلى دوره في إسناد أعضاء الوفد معلوماتيا و الاتصال بالداخل, إذ عمل على تأجيل وقف العمليات هناك كلما طلبوا منه ذلك, و أخيراً سُمح له بالدخول للقاعة بشرط الجلوس في الصفوف الخلفية, و عدم النقاش إلا أنه كان يزود أعضاء الوفد بالمعلومات اللازمة أثناء عقد الاجتماع.



في خضم المباحثات طرح دحلان قضية ال220 مطلوب فلسطيني للتصفية أو الاعتقال الإسرائيلي, و أصر على مناقشة ملفهم مع آمنون شاحاك, فطالب بإلحاح وفدنا الفلسطيني بالضغط من أجل عودة المطاردين و المطلوبين للداخل,الذين كانوا يتوزعون حينها في تونس و الجزائر و السودان و ليبيا, فرفض شاحاك ذلك, إلا أن دحلان هدد بعين الحقيقة التي تفيد أن هؤلاء في القاموس الفلسطيني مناضلون, و يمكنهم تدمير أي اتفاقية سلام مع إسرائيل ما لم يكونوا طرفاً فيها, و بهذا المنطق بدأ دحلان و الوفد المفاوض يتحدثون مع الإسرائيليين, فنجح في الحفاظ على حياة هؤلاء المجاهدين و أعادهم للداخل, و على صعيدٍ ذي صلة رفض محمد دحلان أن تعتقل إسرائيل المطلوبين داخل قطاع غزة, على أن يتم إخلاء سبيلهم فيما بعد أو تستلم أسلحتهم, و أعطى التزاما شفهيا بأن تلتزم “صقور الفتح” بمتطلبات المرحلة, على أن يبقى سلاحهم تحت إشراف كادر التنظيم المعروف لدى جيش الاحتلال, و لعل الإنجاز الذي يُحسب لدحلان شخصياً في تلك المرحلة, النجاح في إدخال المطاردين الفارين من قوات الاحتلال مثل رشيد أبو شباك و أمين صيام, الذين كانا على رأس مسئولي صقور الفتح في القطاع, و كان مجرد طرح اسميهما من المحرمات, عند شاحاك و الطرف الإسرائيلي.



لم يكن ملف الأسرى غائباً في طابا بل كان من أكثر الملفات تعقيداً و صعوبة و أحق أولوية بالنقاش عند ذوي الأمر, حيث أصر محمد دحلان على الخروج مع أعضاء الوفد بنتائج ايجابية في هذا الموضوع, لأن إسرائيل رفضت خروج ذوي الأحكام العالية, إلا أن الوفد بمن فيهم دحلان الأكثر تعصبا للأسرى, قد نجح في إطلاق العديد من رموز الحركة الأسيرة مثل هشام عبد الرزق, و تم الإفراج عن 9500 معتقل منذ ذاك التاريخ و حتى تنفيذ الاتفاق الانتقالي, بمن فيهم معتقلين من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي.



* العودة و تأسيس الأمن الوقائي:



بعد أن اُستكمل إدخال معظم أبناء غزة, من المبعدين و المطلوبين لإسرائيل, دخل محمد دحلان مع بعض رفاقه في النضال بتاريخ 17/5/1994م, و لكن قرار ما قبل العودة كان قد صدر بتشكيل جهاز أمني, جاءت تسميته و فكرته من بنات أفكار القائد العام ياسر عرفات, الذي عين دحلان بقرارٍ في تونس رئيساً لجهاز “الأمن الوقائي” في محافظات غزة, دون أن يكون دحلان قد تخيل نفسه قبل ذلك مسئولاً أمنيا للحظة واحدة, و هي تسميةٌ أمنية قد تكون مستخدمة في الدول الاشتراكية في النظام الغربي, رأي عرفات “رحمه الله” أن يستوعب الجهاز الجديد الكادر التنظيمي الذي عمل في الانتفاضة الأولى, فجمع كادراً متميزاً من المناضلين, بمن فيهم عناصر من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي, و تم تقييم دحلان على نضاله و خبراته العسكرية و الإدارية و التنظيمية, برتبة “عقيد” في ذاك التاريخ من قبل القائد العام عرفات.



أوكل عرفات “رحمه الله” مسئولية حماية الاتفاق السياسي و عملية السلام للأمن الوقائي, و منع العمليات العسكرية التي قد تمنع التقدم للوصول لتسوية سياسية مأمولة في تلك الفترة, تماشياً مع الظرف السياسي العالمي و الإقليمي و العربي, و كي تستكمل السلطة الفلسطينية فيما بعد استرجاع الأراضي المغتصبة عام 1967م مقابل تقديم الأمن لإسرائيل, التي لم تزل تعتبر دحلان ثقيل الظل في تلك الفترة على اعتبار أنه “إرهابي”, و يتكفل جهاز الأمن الوقائي أيضا بنشر حالة الاستقرار الأمني, داخل المجتمع الفلسطيني و القضاء على الجريمة و الجريمة المنظمة, فيما شرع دحلان بهيكلة الجهاز مستعيناً برفاق الدرب الأوائل ,أمثال رشيد أبو شباك الذي عُين نائبا لرئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة, و بدأ في رسم خطط تشكيل الجهاز فاختار عشرة من المناضلين, وفقا للتاريخ النضالي و التضحيات التي قدموها و لاسيما في سنوات السجن أو الإبعاد, و جعل منهم نواة الجهاز الحقيقية و قيادته, ثم أخذ يوسع في الدوائر و التفرعات و الاختصاصات داخل الأمن الوقائي, مستعينا بخبرات أمنية مصرية لتطوير الأداء و المساعدة على القيام به على خير وجه, بما يخدم المصلحة الفلسطينية العليا.



و مما تميز به جهاز الأمن الوقائي قدرته في الحصول على المعلومة و تحري دقتها, وحرصه على مراعاة ضوابط المجتمع الفلسطيني العامة, مثل الأخلاقيات و غيرها, و قُربه من الكادر التنظيمي الفتحاوي و الوطني بشكل عام, و حزمة في التعامل مع أي تجاوز يصدر عن أحد أفراده, حتى وصل إلى حد إقالة البعض من المتجاوزين و معاقبة البعض الآخر.كما شارك جهاز الأمن الوقائي في تفعيل الانتفاضة الثانية,عندما كان محمد دحلان على رأس قيادة الجهاز, جاءت تلك المشاركة القوية قبل أن تدخل بعض الفصائل المسلحة في المواجهة الحقيقية مع الاحتلال , الأمر الذي أدى إلى استشهاد العديد من عناصر الجهاز , و منع أقرب الأشخاص من دحلان من السفر و الحركة باتجاه الخارج ,كرشيد أبو شباك و سليمان أبو مطلق الذي تم اعتقاله و الإفراج عنه فيما بعد.



بعد مرور سبع سنوات على رئاسة دحلان لجهاز الأمن الوقائي قدم استقالته للرئيس عرفات في أبريل من عام 2001م, و كان له وجهة نظر في هذا الموضوع, و هي أن الوظائف الأمنية يجب أن لا تكون أبدية القيادة, كي لا تصبح دائرة المسئولية إقطاعية خاصة لشخصٍ دون آخر, يضاف إلى ذلك تداخل مهام و وظائف الأجهزة الأمنية, مما خلق حالة من التشتت و الغضب الشعبي, و هذا ما شعر به محمد دحلان منذ عام 1998م, و طالب على إثرها بالإصلاح في جميع دوائر السلطة, و تلك نقطة محورية سنأتي ذكرها ضمن سياق السيرة.



* أحداث 1996م و العلاقة من الفصائل :



كما أسلفنا فإن تشكيل جهاز الأمن الوقائي كان يهدف إلى المحافظة على الالتزامات الأمنية مع الجانب الإسرائيلي { و لا تعني الالتزامات الأمنية كما يتصور البعض اعتقالات و إعدامات, و لكنها تعني منع الجانب الفلسطيني لوقوع أي عملية توجه ضد الإسرائيليين طالما أن هناك اتفاق بين الطرفين ,لتمكين الجانب الفلسطيني من الحصول على حقوقه و قطع الطريق على الحجج و التسويفات الإسرائيلية بالمماطلة},و قد كان الرئيس عرفات هو المسئول الأعلى عن هذه المهمة, و يأتي بالتدريج بعده دحلان كرئيس للجهاز داخل القطاع في المسئولية عن هذا الملف, و لكن مشاحنات ظاهرة قد حدثت بين السلطة الفلسطينية و حماس, عندما استمرت الأخيرة في تنفيذ ما كانت تقوم به قبل مجيء السلطة الوطنية, مثل اختطاف مواطنين و إعدام البعض منهم بتهم العمالة و غيرها, فكان المطلوب من حركة حماس أن تقدر بشكل موضوعي و عقلاني, طبيعة المتغيرات التي طرأت على الساحة, كعودة منظمة التحرير و تشكيل سلطة فلسطينية, لم تعترف حماس بشرعيتها, مع عدم اعترافها أيضاً بالانتخابات الرئاسية و التشريعية و نتائجها كإحدى إفرازات أوسلو, و استمرارها في ممارسة نشاطاتها كتنظيمٍ مستقل له سياساته الداخلية و الخارجية,مما أدى كل ذلك إلى تضخم التراكمات , قامت على إثرها بعض الأجهزة الأمنية باعتقال و استدعاء بعض الأخوة في حماس للتحقيق و حثهم على التوقف عن ممارسة تلك السلوكيات التي تخدش هيبة السلطة الوطنية , فيما رفض جهاز الأمن الوقائي المشاركة في عمليات الاعتقال لأكثر من عامين , أي منذ عام 1994م و حتى العام 1996م , بل و كانت سياسة الأمن الوقائي تتجه نحو فتح آفاق من الحوار و التفاهم مع كتائب الشهيدعز الدين القسام من خلال محمد الضيف و عبد الفتاح السطري و رفاقهم , كاد أن يسفر الحوار معهم إلى إبرام اتفاق لولا تدخل بعض المتنفذين الذين عملوا على نسف أي اتفاق محتمل من خلال تشكيل جهاز عسكري لحماس بديل للقسام يسمى بــ “الجهاز السري”, الذي كان من مهامه الأولى الاستيلاء على أسلحة عناصر الشرطة الفلسطينية بالقوة و قتل من يقاوم و تجريده من سلاحه في بعض الأحيان , مما خلق أجواء مشحونة, و لاسيما أنه قد تم تسجيل عدة حوادث قتل قامت بها مجموعات سرية تابعة لحركة حماس ضد أفراد الشرطة الفلسطينية مثل الشهيد أكرم أحمد …الخ .



يضاف إلى ذلك أن إسرائيل قد نجحت باستفزاز حماس, من خلال اغتيال الشهيد المهندس يحيى عياش “رحمه الله”, مما دفع الحركة للقيام بأربع عمليات كبرى داخل إسرائيل, أسقطت بيريز و جاءت بنتنياهو و خلقت مفهوما جديداً عند الإسرائيليين بمن فيهم حزب العمل عن السلام, و هو أن إسرائيل قد باعت الاتفاق لمنظمة التحرير على أمل الحصول على أمن, و لكن العمليات زادت مع قدوم السلطة بشكل كبير و محرج للقيادة أمام العالم, فبدأت الأمور مع بيريز و نتنياهو ثم باراك تتجه للتعقيد وصولاً إلى اعتلاء شارون كرسي رئاسة الوزراء في إسرائيل.



مما فرض حدوث المواجهة, فاتخذت القيادة الفلسطينية قراراً باعتقال تكتيكي لأفراد حماس و الجهاد الإسلامي, بشكل مؤقت عام 1996م, منعاً لأي تدهور قادم قد يمنع الحصول على استحقاقات فلسطينية, في الأراضي المتفق على تسلمها من جيش الاحتلال الإسرائيلي, و كي تثبت للمجتمع الدولي قدرة السلطة على تسلم زمام الأمور و السيطرة على الساحة الفلسطينية, فأوكل الرئيس عرفات “رحمه الله” المهمة لجهاز الأمن الوقائي برئاسة دحلان في غزة و قطاعها, لضبط الساحة و تحجيم نشاط حماس العسكري و لو مرحلياً, للوصول إلى التفاهمات الفلسطينية الإسرائيلية, و ما جرى بعد ذلك من تضخيم في عمليات الاعتقال, سواء في الكم و الكيف, كان يهدف إلى خلق حالة من عدم الثقة و التشكيك في دحلان شخصيا و جهاز الأمن الوقائي.



كان الاعتقال ينتهي عادة و ضمن سياق الفهم و الوعي الوطني للأمن الوقائي و قيادته, التي لم تكن بعيدة عن هموم شعبها بإحدى أو كلا الخيارين, إما الإفراج عن الشخص المعتقل ,أو التفريغ في الجهاز لحل بعض المشاكل الأمنية لبعض كبار عناصر القسام و المطلوبين لدولة الاحتلال, و بناء على هذا الأساس؛ قد يستغرب من لا يدري عندما يعرف أن كوادر مهمة في كتائب القسام, بعضهم شهداء عند الله تعالى , مثل الأخوة عماد عباس و عوض سلمي و بلال الغول و خالد أبو سلمية و عدنان الغول و سعيد أبو حمام و غيرهم كثر , كانوا موظفين على قيد الأمن الوقائي, رغبة من قيادة الجهاز في أن يتمتعوا بحماية الجهاز و إمكانياته ,فيما استشهد العديد من عناصر حماس و بالتحديد من كتائب القسام و هم على قيود جهاز الأمن الوقائي ,بينما الآخرون كانوا على قيود الجهاز قبل تاريخ استشهادهم .



لم يكن يعني تصرف جهاز الأمن الوقائي, في تلك المرحلة على أنه ضد المقاومة, بل إن السلطة دفعت ثمن حماية حماس و الجهاد الإسلامي على مدار عشر سنوات, و ذكرنا دور الوقائي في تفعيل و إسناد الانتفاضة الثانية, حتى بلغ عدد شهداء الأجهزة الأمنية في الانتفاضة إلى أكثر من 40%, و قد ارتبط دحلان بعلاقة طيبة مع الجهاد الإسلامي منذ فترة الاعتقال, و طُرد من مصر لتهريبه مجموعة من عناصر الجهاد إلى السودان عام 1987م كما أسلفنا, و كذلك ربطته علاقة جيدة مع عناصر حماس مثل يحيى السنوار, الذي دخل ميدان المواجهة العسكرية ضد إسرائيل في الانتفاضة الأولى, قبل أن تتخذ قيادة المجمع الإسلامي أو حماس هذا القرار, كما ربطت دحلان بالدكتور عبد العزيز الرنتيسي “رحمه الله” علاقة أخوية بحكم رابطة الجوار في خان يونس, و مرت بعلاقات فتور أحياناً وفقاً للاختلاف في وجهات النظر, و لكنها كانت قائمة على قاعدة الاحترام بحكم الشراكة في النضال.



و يحتفظ محمد دحلان بعلاقات جيدة و متجددة مع معظم أركان العمل الوطني من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار في الداخل و الخارج, و ذلك من خلال إدراكه بأهمية دور الجميع في معركة البناء و التحرر بمن فيهم قيادات الحركات الإسلامية التي نجلها كثيراً .



* مبعوثاً و مكلفاً من عرفات للتفاوض:



مع صعود بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل, بدأت حالة من الشقاق تنعكس على المفاوضات العسيرة التي كان لها جولاتها, شارك فيها محمد دحلان بالتكليف من الرئيس عرفات “رحمه الله”, في التفاوض في عدة أماكن, كما رافق عرفات في الكثير من المفاوضات الشهيرة, لقوته في طرح ما يريد حتى في أكثر الأوقات تأزماً, و لما اكتسبه من خبرات في “فن” التفاوض مع إسرائيل هو و الدكتور صائب عريقات.



اهتم دحلان بجمع المعلومات الخاصة بأعضاء أي وفد إسرائيلي و تقديمها للرئيس عرفات, من خلال قراءة تاريخ الأشخاص و نشأتها و مرجعياتها الفكرية و السياسية, و ذلك للمساهمة في إدارة أي مفاوضات, و هذا ما حدث على سبيل المثال مع مبعوث نتنياهو دوري جولد, الذي جمع دحلان كل المعلومات المتعلقة به و بزوجته و رحلاته إلى بعض الدول العربية, و قدمها للرئيس الشهيد عرفات, كما اختاره الرئيس ليكون عنصر الاتصال الرئيسي بين مكتب الرئيس عرفات و مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلي, و اختاره أيضاً مبعوثا شخصياً له للإعداد لقمة واي ريفر, فأوكل له كل التفاصيل في قضايا تمثل إشكالات للسلطة الوطنية الفلسطينية, وقد ساعد محمد دحلان أيضاً على المضي نحو التقدم باتجاه تحقيق الهدف الوطني الذي كان يحدده الرئيس, قوتُه و صلابتُه و قناعته أن إسرائيل ليست دولة خارقة للعادة, و ليس كل مواطنيها عباقرة, الأمر الذي عزز من قدرته على المطاولة خلال النقاش و التفاوض, بل و السرعة على الرد على أي تجاوز أخلاقي يصدر عن المفاوضين الإسرائيليين, بدافع العنجهية حتى وصل الأمر إلى أن شتم دحلان أعضاء وفد نتنياهو, مما دفع نتنياهو للتصريح بعدم ثقته في دحلان, و يُذكر لدحلان اشتراطه على إسرائيل أن تدفع ثمن الأمن انسحابات تعيد الأرض للفلسطينيين.



كما حافظ محمد دحلان على علاقات مع بعض أعضاء المؤسسة الأمنية و العسكرية مؤيدين لنيل الشعب الفلسطيني حقوقه, و الشخصيات العامة في إسرائيل, من كتاب و صحفيين جانحين للسلم, للضغط على الحكومة الإسرائيلية, ثم أجبر نتنياهو على التوقيع على بعض التفاهمات في واي ريفر, تسلمت السلطة من خلالها 13.1% من أراضي الضفة الغربية بما فيها مدينة الخليل, إضافة إلى قضايا تفصيلية مثل المطار و الميناء و بعض القضايا الأمنية كافتتاح الممر الآمن و ملف الأسرى, مما يعد إنجازاً تاريخيا في ذاك الوقت الذي كانت فيه حكومة ليكود متشددة تحكم في تل أبيب. استغل دحلان أخطاء الوفد الإسرائيلي في التفاوض, و هذا و ما تجسد في طرح نتنياهو لما سُمي بمبدأ “التبادلية”, التي التقطها و أصر عليها الوفد الفلسطيني و تعمد إحراج الإسرائيليين أمام الطرف الأمريكي, بمطالبته بالتبادلية التي تخلى عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي, و تذمر من شدة تكرار دحلان لهذا المطلب.



مع صعود باراك لسدة الحكم في إسرائيل, كان محمد دحلان أول شخص يلتقيه بتكليف من عرفات”طيب الله ثراه”, فخاض مع فريق باراك و باراك نفسه عدة جولات من النقاش , أكد فيها على أن أساس أي اتفاق مع حكومة الأخير لن يتم دون أن تكون القدس كاملةً, عاصمة للدولة الفلسطينية مع ضمان عودة اللاجئين, و في مفاوضات إيلات حدثت مشكلة كبيرة بين دحلان و رئيس الوفد الإسرائيلي عوديد عيران, عندما قدم الأخير 62% من الأرض تمهيداً للحل النهائي, موضحة على خريطة سخر منها دحلان بوجود ياسر عبد ربه و قال لرئيس الوفد الإسرائيلي “إن أي طالب في مدارسنا لن ينجح في رسم الخريطة أي سيرسب كل طلاب فلسطين في الجغرافيا” لعدم منطقيتها, مما أدى إلى مشادة كلامية و صراخ بين الطرفين ,,, كما رافق دحلان الرئيس عرفات إلى كامب ديفد, و لم يتفاوض لدقيقة واحدة بمفرده مع الإسرائيليين كما يشيع المتفذلكون, بل كان يتحرك بإمرة الرئيس و يقدم له المعلومة و المشورة كلما تطلب الأمر, و استغل دحلان دقة اختيار الوفد الفلسطيني الإداري و المهني و الأمني هناك, وعمل معه على استمالة الأمريكيين لصالح الموقف الفلسطيني العام.



و بالنسبة لشارون فإن علاقة دحلان به كانت سيئة, و ذلك لما صدر عن دحلان من تصريحات ضد شخص شارون في واي ريفر, إذ كان شارون وزير خارجية, و عندما كُلف دحلان مع أبي مازن بإكمال خطوات الاتفاق و الذهاب لتل أبيب, هدد شارون من خلال الإعلام قبل مجيئهما باعتقال دحلان فيما لو جاء إلى مقره بالخارجية الإسرائيلية, كما اعتبر شارون دحلان مساعداً لحركتي حماس و فتح, و طالب باغتيال محمد دحلان بعد حادثة مقتل الجنديين الإسرائيليين في رام الله بداية الانتفاضة, فقامت إسرائيل بمنع محمد دحلان من السفر إلى الخارج على اثر اتهام له بالتورط في سفينة السلاح “كارين أيه” بعد سفره مع أحد المتهمين بالضلوع بها, قبل ضبطها بثلاثِ ليالِ, حتى تم إنهاء التحقيقات و تم التوصل إلى حلٍ لإزالة المنع.



* الانتفاضة و حصار الرئيس:



لم يكن محمد دحلان بعيداً عن الانتفاضة, إذ عمل على تنشيط الساحة الفلسطينية, و استفز البعض لغرض المشاركة الفاعلة في الانتفاضة, بقصد الضغط على إسرائيل و الحصول على ما تم الاتفاق عليه, فاندفع جهاز الأمن الوقائي بقوةٍ إلى الميدان, و التحم مع الجيش الإسرائيلي في كافة الاشتباكات المسلحة, التي أدت إلى استشهاد العديد من خيره عناصره, و ساعد على تكوين بعض فرق كتائب شهداء الأقصى المعروفة العناوين, و من المهم ذكره في هذا المقام أن معظم حراس دحلان الشخصيين هم من عناصر الكتائب الفتحاوية الأصيلة, كما استشهد ابن أخيه في إحدى المواجهات بمدينة خان يونس, و لا نستطيع التفصيل في هذا الباب أكثر من ذلك.



بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر توقع محمد دحلان أن يستغل شارون الحدث لصالحة, و يصعد من العمل العسكري البربري ضد الشعب الفلسطيني بمن فيه الرئيس نفسه, و أبلغ ذلك للرئيس عرفات “رحمه الله” و طالب بتغيير بعض الأمور تلافيا لما هو قادم, و لكن شارون كان أسبق إلى جنونه الدموي, فاقتحم مقر الرئيس بالمقاطعة, و كان دحلان تلك الليلة برفقة الرئيس حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل, فطلب منه الرئيس المغادرة ليتسنى له القيام بمجموعة اتصالات عربية و دولية, تطالب العالم بالتدخل لإنهاء هذه المهزلة, و كان يتصل بــ و يتصل عليه الرئيس أكثر من عشرين مرة في اليوم, و قد ساعدت الاتصالات على موافقة الولايات المتحدة, على زيارة دحلان و أبي مازن و أبي العلاء و الدكتور صائب عريقات لعرفات في المقر, بعد تدخل عربي جهيد كان أساسه حملة الاتصالات الفلسطينية التي قادها محمد دحلان, و في الأسبوع الثالث للحصار, و بالاستفادة من تكثيف الاتصالات الدولية, تم فتح قناة حوار مباشر مع الإسرائيليين, و كلف الرئيس عرفات دحلان بإدارة الحوار, و هذا ما نجح فيه بالحفاظ على حياة الرئيس, رغم التسليم بقسوة الشروط و تعقيدها, و لكن هذا الممكن في وقت المستحيل.



* حكومة محمود عباس:



مع استجابة أبي عمار لتكوين حكومة جديدة و تعيين رئيس وزراء لأول مرة في تاريخ السلطة الفلسطينية, و اختياره لأبي مازن للقيام بهذه المهمة, كان محمد دحلان خارج البلاد, فجاءه اثنان من ذوي الإطلاع, و طلبا منه زيارة عرفات ليكون في الصورة منذ البداية, لم يكن دحلان كما تعود بحاجةٍ إلى سبب للجلوس مع عرفات, فسافر إليه في رام الله وناقشه في تشكيل الحكومة, فقال عرفات اتصل برئيس الوزراء المكلف لعله يريد أحداً غيرك, فقال له دحلان إن منصب وزير الداخلية كما كان مطروحا لن يضيف لتاريخه شيء, و ستكون مغامرة لمن يتسلم هذا الموقع, و انه لن يستطيع القيام بها, و انتهى اللقاء في جو من الود و الألفة, تلاه اتصال من دحلان بأبي مازن الذي علم بتفاصيل لقاءه مع الرئيس, و رحب بدحلان في حكومته و أكد على ضرورة وجوده في تشكيلتها, لما يمتلك من خبرة في المجال الأمني, و ما أن انتشر خبر ترشيح دحلان للموقع الوزاري, حتى تحرك أمراء السوء من المستفيدين من حصار الرئيس, الذين اختفوا عن الساحة وقت أزمة الحصار, و بدءوا في لعب دور الوسواس الخناس, كي لا يكون محمد دحلان في هذا الموقع, مما دفع دحلان للتمسك بهذا المنصب, فيما أصر عرفات بعد غمز و لمز المسيئين على أن يكون وزير الداخلية من أعضاء اللجنة المركزية, حتى جاء وزير المخابرات المصرية إلى رام الله, و اتصل بدحلان و قال له أنت ستكون وزيرا لشئون الأمن, و سيكون رئيس الوزراء أبو مازن وزيرا للداخلية, فاعتذر دحلان عن كلا المنصبين لو كلف بهما, و لكن تأكيد سليمان عبر الهاتف و بحضور الرئيس عرفات “رحمه الله”, أنه أي الرئيس يريد محمد دحلان شخصيا لهذا الموقع, جعله يوافق تحت مظلة رضا و رغبة الرئيس و ما يمثله ذلك من شرعية.



لم تهدأ النفوس المريضة عن التحريض بالتوافق مع التحريض الإسرائيلي ضد رئيس الحكومة و دحلان, من خلال “مدائح الصحافة الإسرائيلية” الخبيثة للرجلين, و بدأت الهدنة التي طلبت فيها إسرائيل من دحلان القيام بعمليات اعتقال واسعة, في صفوف المقاومة, الأمر الذي اعتبره دحلان خطاً أحمر و رفض القيام به بأي شكل, فبدأت إسرائيل في البحث عن ذرائع لوأد الهدنة, من خلال التأكيد لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول في زيارته للمنطقة, أن حماس تُصنع أسلحة مستفيدةً من الهدنة, كان دحلان يطرح موضوع حصار الرئيس في كل لقاء له مع الأمريكيين, و في قمتي العقبة و شرم الشيخ كان محمد دحلان يتصل بالرئيس كل ساعة, على الرغم من عدم مشاركته في اللقاءات, و في إحدى لقاءات أبي مازن و دحلان مع شارون في القدس, كان الطرح الفلسطيني يتناول قضية حصار الرئيس, و ملف الأسرى و طلب المساعدة في القضايا الاقتصادية و التكنولوجية, فرد شارون قائلاً لدحلان “أنت تريدني أن أفرج عن إرهابيين و قتلة …هؤلاء أياديهم ملطخة بالدماء !!!؟” مما دفع دحلان للرد السريع عليه قائلاً ” و أنت لست رئيسا للصليب الأحمر, أنت أيضا قاتل و إذا كان المفهوم كذلك فأنت مارست نفس الممارسة بشكل أبشع, لذا يجب علينا أن ننسى هذا لأنه جزء من الماضي” و مع اشتداد حملة التشويه الإسرائيلية للتشكيك في محمود عباس أمام عرفات, عملت إسرائيل على تسريع انهيار الحكومة الفلسطينية, لعدم قبولها بمناخ السلام من خلال خرقها الهدنة, فيما تكالب المفسدون على الحكومة بالتحريض, وقيامهم ببعض الظواهر اللا وطنية والغير أخلاقية مما أدى إلى استقالة الحكومة.



* حملات التشويه و الافتراء:



تعرضت شخصية وزير شئون الأمن السابق محمد دحلان, للكثير من حملات التشويه الإعلامي المقصود و المبرمج و من عدة تيارات, كان هدفها الأساسي قتل دحلان جماهيريا, و حرقه بين الناس بدوافع حقد و حسد و غيرة شخصية, يضاف إلى تلك الدوافع تعارض توجهات دحلان الإصلاحية مع مصالحهم الفردية, فكان ما كان من إشاعات و تسريب معلومات فاسدة ضد دحلان, و لنا ثلاث قضايا في هذا الملف:

1 – تكفلت إسرائيل بخلق شقاق بين أهم الفاعلين في القيادة الفلسطينية, و المؤثرين من ذوي التوجهات الوطنية, كان محمد دحلان من وجهة نظر إسرائيل كما هو ابناً لعرفات, و مساعداً في تدعيم أركان السلطة على الأرض, و صاحب فكرة و قوة و منطق خاص في لعبة السياسة و التفاوض, في حين أن إسرائيل لم تستطع ضبط ممسك شخصي يُمكِنها من ابتزاز دحلان على مائدة التفاوض, التي كان فيها دحلان لينا وقت اللين, و جادا وقت الجد و قاسيا في مواجهتهم, مع حصول أي تجاوز إسرائيلي داخل الجدران الأربع, فعمدت إسرائيل إلى شن عدة حملات منظمة للنيل من محمد دحلان, و ذلك من خلال مدحه على صفحات جرائدها أو على لسان أحد المسئولين بالإذاعات, بقصد خلق جو من عدم الثقة به داخل الشارع الفلسطيني, لأن الطرف الإسرائيلي يدرك أن أي كلمة ايجابية بحق دحلان, تعني إسقاطه فلسطينيا, وهذا ما حدث إبان حكومة عباس التي كان فيها دحلان وزيرا, حيث تجاوزت الأخبار و المقالات المُمجدة و المسيئة للحكومة إلى أكثر من 60%,و قد كانت إسرائيل تعرف أن الرئيس عرفات يقرأ صحافتها كل صباح, لتكون الحقيقة في النهاية أن إسرائيل معنية بعدم استمرار الهدنة أو الحكومة الفلسطينية.

2 – تحالف كل أمراء السوء من مسئولين متخمين, و قادة أمنيين مخمورين و أصحاب المصالح التي تتعارض مع المصلحة العامة, على لعب دور الوشاة عند الرئيس, من أجل هز صورة الابن محمد دحلان و إقصاءه عن الحلبة السياسية, لما له من توجهات شعبية تحرقهم لو تم تنفيذها مع تشريع قانون المحاسبة, فاشتغلوا على تضخيم أسطورة دحلان الساعي إلى السلطة تارةً, و تارةً أخرى اتهموه بأنه رجل أمريكا في فلسطين, و مرة قالوا عنه خائنا في حين أنه لم يتفاوض أو يجلس مع الإسرائيليين أو الأمريكان مرة واحدة خلال العشر سنوات دون إذن من الرئيس عرفات “رحمه الله” أو دون تكليف منه شخصيا, ففئة ” وطاويط الليل” لم تشارك في معركة البناء و إدارة السلطة, أو المواجهة العسكرية بشكل جدي, و ترى أن أي تقدم شخصي أو نجاح يحرزه محمد دحلان أو غيره من المناضلين في غير صالحها, كما استفادت نفس الفئة من حصار الرئيس لما أخذته من أموال بحجج واهية, ذهبت إلى البنوك في حساباتها الشخصية.

و لم تكن هذه الفئة وحدها بل كان يساندها بعض المتصاحفين و الصحفيين و الكتاب المأجورين, ممن لهم ارتباطات معروفة بجهات استخبارية, فسربوا أخبار متنوعة عن دحلان و نيته المفترضة, في إحداث انقلابات و قتل رمز الشرعية الفلسطينية و تهديده للرئيس عرفات, ليخزهم الله بأن الرئيس “رحمه الله” قد اصطفى دحلان دون غيره في مرافقته له إلى باريس عندما ذهب طلباً للاستشفاء.

3 – ما يُشاع عن الاستثمارات التي يحوزها محمد دحلان, و ما يُروى من القصص التي يروجها المتورطون بفضائح مالية و أخلاقية قد تعدى حد المنطق, الذي يمكن أن يعقله عاقل, فكانت تلك الإشاعات حلقة من حلقات الافتراء و الزيف و الخداع, التي تهدف إلى إصباغ كل الصفات السيئة, بشخص محمد دحلان إثماً و عدوانا.



* في مواجهةٍ مع الفساد:



يدرك دحلان أن الإصلاح مطلباً شعبيا فلسطينيا منذ ثمانِ سنوات مضت, لذا فقد كان من أول المنادين بضرورة إجراء تعديلات و تغيرات, تمكن السلطة من المواجهة السياسية كلما تطلب الأمر, و تساعد على مد جسور من الثقة بين المواطن و المؤسسة الحكومية و الأمنية التي يتردد عليها, و لكن الفضيحة جاءت عندما صار المجتمع الدولي و عدونا الإسرائيلي, يطالب بتصحيح الأخطاء و القضاء على الفساد في المؤسسات و الوزارات الفلسطينية, مما جعل المفسدين في الأرض يصورون للناس أن الإصلاح حاجة أمريكية, لا يمكن تطبيقها الآن و تلك “حجة الثعالب”, إلا أن الحقيقة هي إدراكهم أن أي إصلاح سيطيح بكل كراسيهم و يعريهم و يخزهم أمام شعبهم.



إلا أن تراكم مظاهر الفساد و ضياع هيبة السلطة, و تفشي ظواهر العربدة و انتشار السلاح دون مبرر, وحالة “التوهان” في الشارع الفلسطيني مع تداخل مهام الأجهزة الأمنية, و ما حل بالناس من ضيقٍ اقتصادي و وجع سياسي, تطلب وقفة عز و شرف, تنصر المظلوم و ترد الظالم و تعيد الحقوق لأصحابها, و ترتب البيت الداخلي الفلسطيني, على أساس ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا, و تعين السلطة على النهوض و تخطي حالة الشلل و الانهيار التي باتت تعيش فيه, و تعزز من قيمة المقاومة من خلال تنظيمها و تحديد أهدافها بالتوافق مع وجود أفق و خطاب سياسي, و غير ذلك من القضايا, جعل محمد دحلان يصطف ومن خلفه الجماهير, على مختلف انتماءاتها و توجهاتها الفكرية, للمطالبة بضرورة تصحيح الأخطاء و معالجة قضايا الفساد بمختلف أنواعه.



و منذ استقالته مع حكومة عباس و قبل ذاك التاريخ, يعمل محمد دحلان على استقطاب رجال الأعمال و المستثمرين, من كافة الدول العربية و الغربية للعمل في فلسطين, و ذلك من خلال ندوات يقيمها و يلقي فيها المحاضرات بالخارج, كما يقوم بالتنظير و حشد الدعم للقضية الفلسطينية و فضح ممارسات الاحتلال من خلال جولاته و زياراته للكثير من العواصم, مستفيداً من علاقاته مع شخصيات عالمية و إقليمية و عربية, لإطلاعها على طبيعة و ظروف الحالة الفلسطينية القائمة في هذه الأوقات, دون أن يتناسى هموم شعبه الذي يعيش همومه لحظة بلحظة……



*حكومة التكنوقراط :



حمل يوم التاسع من يناير قراراً فلسطينيا شعبيا بضرورة الإصلاح من خلال تجلي الإرادة الفلسطينية بانتخاب أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية السيد محمود عباس رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية ,خلفاً للرئيس الشهيد الخالد ياسر عرفات “رحمه الله”, مما أعطى محمد دحلان طاقة كبيرة للتحرك باتجاه تطبيق برنامجه الإصلاحي الذي نادى به كثيراً , فعمد إلى ترتيب الساحة الفلسطينية و استغلال المتغيرات التي قد تطرأ إذا ما نفذ رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون خطته القاضية بالانسحاب من قطاع غزة و شمال الضفة الغربية المحتلة, كما ساهم مع القيادة الفلسطينية و قادة فصائل المقاومة إلى الخروج بتفاهمات من شأنها تقوية الموقف الفلسطيني و العمل على توفير المناخات المناسبة للخروج من المأزق الذي يزجنا الاحتلال إليه , الأمر الذي أثمر عنه هدنة توقف فيها سيل شلال الدم الفلسطيني المتدفق بفعل بربرية الاحتلال , و العمل على توفير الأمن للمواطن الفلسطيني و فتح آفاق جديدة لعجلة الاقتصاد الوطني و إعادة بناء ما دمره الاحتلال.



كما يعمل محمد دحلان على التنسيق مع الجانب الإسرائيلي للانسحاب من الأراضي المتوقع تحررها قريبا بتكليف حكومي رسمي من الرئيس محمود عباس و رئيس الوزراء أحمد قريع , فيما تم تشكيل حكومة انتقالية لحين إجراء انتخابات المجلس التشريعي في موعدها القادم و التي تعرف بحكومة التكنوقراط ,التي يشغل فيها دحلان منصب وزير الشئون المدنية , الأمر الذي يعد محطة انطلاق حقيقية للتخفيف من حجم معاناة الشارع الفلسطيني و انتهاج خطٍ إ صلاحي واضح و إعادة القضية الفلسطينية إلى الحلبة الدولية , مع السعي لتوفير الدعم الكامل للسلطة على المستويات العربية و الإقليمية و الدولية ….



السيرة الذاتية للسيد محمد دحلان


الولادة و النشأة:


وُلد محمد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة, بتاريخ 29/9/1961م, لأسرةٍ هاجرت من قرية “حمامة” عام 1948م, و استقرت في المخيم على أمل العودة التي لا تزال تحلم بها حتى الآن, كباقي الفلسطينيين المشتتين عن ديارهم. سافر أبوه للعمل في السعودية عام 1964م, طلباً للقمة العيش تاركاً زوجةً وأربعة أبناء؛ محمد أصغرهم, و بنتين اثنتين, بدأ الطفل ينضج في ظل واقع نكسة حرب حزيران, و ما تلاها من احتلالٍ مرير لقطاع غزة و الضفة الغربية, الأمر الذي كان بداية التوجه الفكري الوطني للصغير الغض محمد و الأسرة كلها, فيما ساعد على تشكل هذا التوجه أن أخواله قد قضوا نحبهم شهداء , على أيدي القوات الإسرائيلية ما بين عامي 1969م – 1971م, و كان عمه قد سبقهم شهيداً عام 1947م, الشيء نفسه الذي جعل من علاقة هذا الأسرة مع الاحتلال علاقةً عدائية شخصية و ثأرية, تلقى دحلان تعليمه الأساسي و الثانوي في مدارس المخيم, و كان معروفاً بين أقرانه و جيرانه بدماثة أخلاقة, و حسن سيرته و صدقه و جراءته الملموسة و التزامه بتعاليم الدين, إذ كان لا يترك فرضا و لا عبادة إلا أداها مطمئناً, بتشجيع والدته التي دفعته نحو الاستقامة و أولته رعايةً خاصة, بحكم أنه الأصغر في العائلة ,و لتعويض ما قد يشعر به من حرمان, جراء بُعد والده عنه الذي لم يراه إلا في إحدى زيارات السجن, حينما كان معتقل.



كان فكره لا يزال غير مؤطر سياسياً,و لكنه شديد الكراهية للاحتلال و إفرازا ته التي يعايشها بشكل يومي ,و أهم تلك الإفرازات صبغة اللجوء التي شكلت في نفسه الهم الأول , ذهب للعمل داخل الخط الأخضر أثناء إجازاته الصيفية في الثانوية , على الرغم من أن أخاه الأكبر كان ميسور الحال و باراً بأسرته , و لكن هذا كان عُرفاً سائداً بين أوساط الشباب الفلسطينيين آنذاك وقت , لكوِن تجربة العمل في قيظ الصيف و الصبر عليه ,تزيد من قوة الشخص على تحمل أعباء الحياة فيما بعد , فتعلم مبادئ و أوليات اللغة العبرية و صار يتحدثها بقصد التعلم , عُرف عنه شغفه بالرياضة على مختلف أنواعها و تردده على إستاد خان يونس الرياضي, الذي صار فيما بعد مقراً لممارسة النشاط السياسي و التنظيمي السري , و قد تم اعتقاله اعتقالاً عشوائياً في إحدى المظاهرات, التي لم يتأخر عن أيٍ منها و هو في الثانوية العامة , و بعد فترة وجيزة وجد محمد دحلان نفسه يُعد للسفر إلى مصر للدراسة في كلية التربية الرياضية ,بعد أن اجتاز “التوجيهي” بنجاح ,,, و هنا تبدأ الحكاية التي سنأتي على ذكرها , إلا أننا يجب أن نذكر أن سلوك محمد دحلان في صغره لم يتغير عنه و هو كبيرا , بل انعكس على المؤسسة الأمنية التي كان يديرها, بالاعتدال و الصدق و الأمانة و تحري الحق و تجنب المحرمات و محاربتها , و يذكر مسئولون و موظفون في أماكن يتردد عليها دحلان, نزاهته و مدى التزامه بتأدية حق الله عليه بالصلاة مع دخول وقتها , و يشيد الجميع بتعففه عن النساء في الحِل والترحال , و ترفعه عن الخمر و بساطته مع الناس, و لعل هذه نقطة من نقاط قوته كشخص و كمسئول أمني سابق .



* بداية المشوار الطويل:



لم يكن الشاب اليانع محمد دحلان يبلغ سن التاسعة عشر من العمر, عندما حزم حقيبته و اتجه إلى مصر, للالتحاق بكلية التربية الرياضية عام 1979-1980م, و كان هذا خروجه الأول من فلسطين التي كانت تعيش منذ عام 1974م و حتى ذاك التاريخ مرحلة استرخاءٍ سياسي و عسكري, شمل كل التنظيمات الفلسطينية الفاعلة على الأرض, جاء ذلك السكون بالتزامن مع خروج القوات الفلسطينية من الأردن, مما انعكس سلبا على العمل الفدائي داخل الأراضي المحتلة.



و ما أن وصل الطالب محمد دحلان للقاهرة, حتى بدأ في التعرف على الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في الجامعات المصرية, دون أن يدري أن هؤلاء الطلاب سيأخذونه فيما بعد إلى لقاءٍ مع أحد كوادر حركة فتح و منظمة التحرير الفلسطينية, فذهب معهم و إذ به يجلس ليس ببعيد عن الشهيد القائد / خليل الوزير “أبو جهاد”, الذي كان يتحدث عن فلسطين و مدنها و شوارعها و حاراتها و كأنه يعيش فيها في تلك الحقبة, الشيء الذي رسم صورةً مثالية في نفس دحلان عن المناضلين, و بدأ حينها الاهتمام و التحول الحقيقي لدحلان نحو السياسة و الانتماء, لتشاء الأقدار بعد فترة وجيزة, أن يحضر نفس الطالب محاضرةً هامة و قصيرة, كانت فكرتها الأساسية أن ساحة المعركة الرئيسية هي الأرض المحتلة, مما غير مسار حياة دحلان الذي قرر العودة إلى قطاع غزة, و العمل في خان يونس بعد أن انتمى طواعية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح, و تذرع لأهلة بحجج متنوعة كي يسمحوا له بالعودة للقطاع, تاركاً مقعد الدراسة في القاهرة, و كان له ذلك أمراً يسيرا, خصوصاً و أن أمه كانت متفهمة لميوله نحو السياسة آنذاك, رغم أنها لا تجيد الكتابة أو القراءة, فدفعته نحو العمل السياسي, و في قلبها غصة كبيرة على إخوتها الشهداء.



توجه محمد دحلان للدراسة في الجامعة الإسلامية, التي كانت في ذاك الوقت معهد ديني متوسط لا يتجاوز عدد طلابه المائة شخص, فيما تسيطر عليه حركة ما كان يسمى بالمجمع الإسلامي التي أصبحت فيما بعد حركة المقاومة الإسلامية حماس, وهنا برزت فكرة تأسيس جسمٍ نقابي يتبع حركة فتح ,كي يكون إطارا نقابياً لمواجهة أطر التنظيمات الفاعلة, التي تسيطر على مجالس الطلبة في الجامعات, التي تشهد سيطرة الحزب الشيوعي عليها, بشكل واضح في تلك الفترة.



بذل دحلان جهداً جبارا في الترويج لهذه الفكرة, التي لاقت استحسان شباب القطاع, ليتم الإعداد فعلاً لميلاد هذا الجسم النقابي الفتحاوي في غزة, و قد سهل ذلك وجود الأخ عبد العزيز شاهين , الذي كان قد خرج للتو من السجن و كان يفكر في نفس الأمر أيضاً, و في غمرة هذه الأحداث أراد المجمع الإسلامي الإشراف على تنظيم مهرجان خطابي, تقيمه جامعة الأزهر في ذكرى وعد بلفور المشئوم, فقرر دحلان إلقاء كلمة بهذه المناسبة, و استأذن من رئيس الكتلة الإسلامية, التي تسيطر على مجلس الطلبة, لتخصيص وقت لكلمة لا تتجاوز الصفحة و النصف في برنامج الحفل الوطني, و تم له ذلك على اعتبار أن دحلان غير منتمي لأي تنظيم سياسي,,, حملت الكلمة التي ألقاها الطالب محمد دحلان تلميحاً وتبشيراً بولادة جسم نقابي طلابي يتبع حركة فتح, و ذلك من خلال ما جاء فيها من تحايا و عبارات تمجد المقاومة و منظمة التحرير الفلسطينية و تتضامن معهما, و بعد ما فرغ من كلمته, عمد دحلان إلى لعب دور الشخصية الغامضة بذكاء, خدمةً للفكرة التي يسعى لها, إذ كان يوحي للآخرين انه يقود عملاً سريا كبيرا, و يوهمهم بامتلاك القدرة و التأثير, مما جعله نقطة جذبٍ و استقطاب للشباب المتحمسين, و محط إعجاب الكثيرين, و من تلك النقطة بدأت تنطلق الحركة الوطنية الفلسطينية “الشبيبة” في غزة لتكون بذلك رديفاً و ساعداً للحركة الطلابية الفتحاوية في جامعات الضفة الغربية, و لاسيما جامعة بيرزيت العريقة, و قد زاد من سرعة انطلاق و تشكل هذه المنظمة النقابية, الديناميكية التي يتصف بها دحلان و مَنْ معه من أخوةٍ منهم من أستشهد على طريق النضال كالأخ محمود أبو مذكور “أبو ظافر” و الأخوين عماد بكير و زياد مصران, و آخرون منهم من ينتظر كالأخوة عبد الكريم القططي و زكريا التلمس و أحمد عيسى و جميلة أبو سمهدانة و نعيمة الشيخ علي مع آخرين , أعانوه و أعانهم على الانتشار و التنظير للمشروع الفتحاوي الجديد, مع أخذ الحيطة و الحذر الشديدين, و اعتماد السرية أسلوباً و منهجاً للعمل الوطني, فيما ساهم إعادة حركة فتح ترتيب أوضاعها الداخلية, على المستويين السياسي و العسكري في تقوية منظمة الشبيبة الفتحاوية, ليستمر العمل السري في تلك الفترة معتمداً على سهولة الأفكار و سرعة هضمها من قبل الجماهير, و استثمر دحلان حدث اغتيال الشهيد المطارد / رفيق السالمي عام 1982م, في تدعيم التوجه العام للشبيبة, و كان ذلك بتعاون كل رفاق النضال في تلك الفترة.



بدأ العمل يزداد سخونةً و زخما مع الاعتقالات المتكررة, التي لحقت بمجموعة العمل الشبابي الوطني, التي كان من أبرز وجوهها محمد دحلان المتصوف من أجل إنجاح مشروع إنشاء الشبيبة و تفعيلها, فبدأ بالتعرف على وجوهٍ جديدة من فئات الطلاب و المستقلين, و المدرسين الذين كان أشهرهم الدكتور/ عبدالله أبو سمهدانة, و الشهيد أسعد الصفطاوي, و اتجه في نفس الوقت للاتصال بالأسير المحرر عبد العزيز شاهين المعروف بأبي علي شاهين, الذي خرج من معتقله عام 1982م كرمزٍ وطني فتحاوي في تلك الحقبة, الأمر الذي أعطى دفعةً قوية للشباب و الشبيبة, و لم تشهد تلك الفترة حتى ذاك التاريخ أي اتصال مع القيادة في الخارج, حيث اعتمد دحلان و من معه على جمع التبرعات, من الطلاب و رجال الأعمال و كذلك من بعض الشخصيات الوطنية, في الوقت الذي لم تتوقف فيه عمليات الاعتقال و التنكيل, و هذه نقطة سنأتي عليها بعد قليل.



لم يكن عام 1983م عاماً اعتيادياً, فقد شهد أول إعلانٍ رسمي عن الإطار الشبابي الفتحاوي, و أعلن دحلان و رفاقه عزمهم على خوض الانتخابات في الجامعة الإسلامية, باسم حركة” فتح”, التي حصلت فيها الشبيبة على نتائج ايجابية و مشرفة بل و مفاجئة, مما أدى إلى بعض المشاحنات مع الكتلة الإسلامية كتيارٍ منافس.



استمر العمل بنفس الروح, و بدأت الشبيبة تأخذ بعداً جماهيريا بين الناس, خصوصاً و أن ما تقوم به من نشاطات اجتماعية, مثل تنظيف الشوارع و المقابر و الحدائق العامة, كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز اسم منظمة الشبيبة في أذهان الجميع, لاسيما مع واقع الاستفادة الذي خلقه الإفراج عن بعض الأخوة من السجون الإسرائيلية مثل الأخ سامي أبو سمهدانة و الأخ أحمد نصر و غيرهم , و على صعيد آخر صار هناك تنسيق كامل مع الشبيبة في الضفة الغربية, و على رأسها مروان البرغوثي, الذي كان فعالاً و نشطاً, فنمت علاقة شخصية منذ ذاك التاريخ بين دحلان و البرغوثي على أساس وطني, و بدأت حالة من التعزيز الداخلي المتبادل في صفوف الشبيبة, في كلٍ من الضفة و غزة, كقيام شبيبة غزة بتأطير المئات من شباب غزة و إرسالهم للضفة الغربية, و كانت شبيبة الضفة الغربية تقوم بنفس الدور مما قوى القواعد و بالتالي القيادات, و من ثم الحالة ككل, كحالة طلائعية وطنية تنتمي لفتح , فيما برز خلال تلك الفترة إلى جانب الأخ محمد دحلان و رفاقه في غزة, أسماء في الضفة الفلسطينية من أبناء غزة و الضفة معاً كالأخ سمير صبيحات و الأخ خالد اليازجي و الأخ جمال الشاتي و آخرون .



لم تتأخر قيادة الشبيبة عن أخذ زمام المبادرة, بالتوعية و التعبئة و التوجيه الوطني, فخرجت في مسيرات كبيرة تضامنا مع الأخ / أبي عمار في المجلس الوطني في القمة التي عقدت في عمان, و استشهد كادر من كوادر الشبيبة و أحد أصدقاء دحلان المقربين, و هو الشهيد شرف الطيبي من مدينة خان يونس عام 1985م, فازدادت الشبيبة قوةً و توهجاً, فيما كانت النتائج الانتخابية في جامعة بيرزيت, تمثل نقلةً نوعيةً للشبيبة بفوزها بمجلس الطلبة هناك, الأمر الذي أعطى انطباعاً أن الشبيبة تسيطر على الضفة الغربية, مما دفع قوات الاحتلال لاعتقال محمد دحلان و كل رموز العمل الوطني في تلك السنة, و لكن قبل هذا التاريخ, كانت إسرائيل قد أبعدت عبد العزيز شاهين إلى منطقة “الدهينية”, و قد سبق ذلك وجود اتصالات مع قيادة المنظمة و حركة فتح, فصار دحلان يراسل الشهيد خليل الوزير, و اقترح عليه وجود عمل عسكري في الداخل, فرفض القائد أبو جهاد ذلك خوفاً على الشبيبة من الانهيار, إذا ما وجهت إسرائيل ضربة قوية لها, فيما كانت رؤية دحلان مع رفيقين اثنين له من قيادة الشبيبة, أن القاعدة الشعبية للشبيبة قد أخذت في الاتساع, و صار الكل يتطلع لقطف ثمار هذا العمل الاستثنائي الناضج, بالقياس مع طبيعة الظرف و الإمكانيات المتاحة, و إلا فإن بعض الهمم ستفتر … فرفض أبو جهاد تلك الفكرة رفضاً مطلقاً, و آثر العمل بنفس الطريقة المتبعة, و هكذا تطورت العلاقة بين دحلان و أبي جهاد و أخذت بعداً إنسانيا و شخصيا مضافاًً إلى البعد النضالي, و تحول عمل محمد دحلان إلى عملٍ جماهيري بشكل واضح و صريح, كقيادي في الشبيبة الفتحاوية؛ معروف عند العدو و الصديق, وقد لازمه الظهور مروان البرغوثي و نافذ سويطات و نبيل مقبول في الضفة الغربية, و بدأت الشبيبة تدخل جميع الأوساط و النقابات و الجمعيات الفاعلة, حتى تم إبعاده من غزة بشكلٍ قسري.



* الاعتقال و قيد السجان:



لم يكن محمد دحلان يفكر وفق مبدأ الربح و الخسارة, عندما اختار طريقه النضالي, بل كان يعرف أن مشواره معبد بالأشواك و المتاعب و ظلام السجن أيضاً, إذ تم اعتقاله أكثر من ست مرات بأحكام متفاوتة, ما بين عامي 1980م – 1986م, لم يكن الأمر في البداية سهلاً أو صعباً, و لكن الرسالة التي فهمها دحلان من أول اعتقال له, أنه أصبح هو و رفاقه في دائرة الاستهداف, الأمر الذي تطلب إعادة ترتيب كل الأوراق منذ البداية من خلال اعتماد السرية أكثر, و التهيئة النفسية على صعيد الأهل و الصعيد الشخصي للاعتقال المفاجئ, و التركيز على تعزيز الثقة بالنفس, و تحمل تبعات اتخاذ أي قرار على المستوى العام و الخاص, مما أفرز قناعةً بعدم الاعتراف التي صارت تكتسب شرعيتها, مع خلال صمود دحلان و فرقته التنظيمية في الاعتقالات اللاحقة,التي لم يكن فيها دحلان مُداناً أو متهماً بارتكابه عمل عسكري, و لكن الإدانة كانت للانتماء لفتح والشبيبة.



و مع تكرار الاعتقالات و تنوعها تعددت أساليب التنكيل و أسباب الاعتقال, خصوصا مع النمو البهيج لحركة الشبيبة التي تبنت و تبناها دحلان, فصار الاسمان متلازمان يُعرفان بعضهما البعض, و لكن الاعتقال الأصعب كان في عام 1985م, لأنه كان على خلفية اتهام تخميني بقيادة عمل عسكري, فمكث في التحقيق “6″ أشهر و “11″ يوم, لم يستطع فيها ضابط المخابرات انتزاع معلومة يتيمة منه, تفيده في تعطيل مد الشبيبة الفتحاوية ليطمئن و يهدأ, و على إثر ذاك الاعتقال التنكيلي,لا يزال دحلان يعاني من ألمِ مستمر في الركبة لحد اللحظة المعاشة, بالإضافة لتأثر عينه اليمنى و أضلاعه, من قسوة الضرب و التعذيب, الشيء الذي يعتز به دحلان و لا يبدي ندماً عليه.



لم يعزل السجن رفاق الأسر عن الحياة, لأنه كان المدرسة الأكثر إعداداً و ترتيباً و تمهيداً لتجارب أقسى, قد يكون إحداها الإبعاد القسري, كما لم يتوقع دحلان في ذاك الوقت ذلك, فقد تعممت ثقافة الصمود و الحذر بين صفوف كل شباب الشبيبة, من خلال جولات الفخار و الشرف في التحقيق أمام المحقق, التي ينهزم فيها السجان و ينتصر فيها أسيره, و هذا ما نجح فيه دحلان مع كل الكادر التنظيمي, الذي استغل فترة السجن لدراسة مناهج ثقافية, فضاعف من ساعات القراءة, على الساعات الثلاث المخصصة له كسجين, و تعلم اللغة العبرية على أصولها و مارس القيادة من الداخل, فكان أنموذجا منيراً و وهاجا لشعلة الشبيبة, ثم أصبح من المحاضرين الأساسيين في السجن للأسرى, و حاول استحضار و مواكبة تطورات قضية الأسرى بعد كل إفراج, في التثقيف الخاص بالشبيبة و على كافة المستويات.



مع استمرار عناد و جسارة دحلان وفشل المحتل في تثبيت قضيةٍ ما عليه في المعتقل, كانت الشبيبة قد صارت و كأنها تنظيم سياسي, و تم الإفراج عن الأسير الشاب دحلان, فيحدث فيما بعد اعتقاله تلقائيا في الاعتقالات الاحترازية, التي كانت تجمع قادة العمل الفتحاوي المتقدم في كل مدينة و قرية و زقاق, حتى أدركت إسرائيل أن دحلان قد تحول إلى خطر, قد يبرز تهديده الأقوى في المستقبل القريب, فاتخذت قراراً بإبعاده خارج فلسطين كلها, بعد أن اعتقلته, فيما اندلعت الانتفاضة الأولى بعد إبعاده بشهور معدودة.



* الإبعاد و المنفى:



لم يكن اعتقال الجيش الإسرائيلي لمحمد دحلان في ديسمبر عام 1986م اعتقالاً احترازياً عاديا, فهذه المرة كانت إسرائيل تبيت نيتها لفعل شيءٍ ما, لمسه دحلان من خلال نمط و أسلوب أسئلة ضابط المخابرات الذي كان يحقق معه, فقد تعمد الضباط أثناء تناوبهم على التحقيق إيصال رسالةٍ لدحلان تقول: أنك قد تملك معلومةً ما و قد لا تملكها؟ و أنك قد تجيب و قد لا تجيب؟ و لكن النتيجة شيء آخر !!! أدركها دحلان عندما قرؤوا عليه قرار الإبعاد و الترحيل القسري خارج فلسطين, دون تحديد المكان الذي سيتجه إليه, و فعلاً تم الإبعاد بعد استكمال بعض الإجراءات الروتينية التي يكفلها قانون دولة الاحتلال, و من ضمنها أن يرى المبعدُ ذويه و يبلغهم بذلك, إلا أن أهله كانوا قد علموا بالقرار من خلال الإذاعة الإسرائيلية, قبل يومٍ من تاريخ معرفة محمد دحلان بذلك, و اقتيد دحلان معصوب العينين, ليجد نفسه على الحدود ا الفلسطينية الأردنية, في يناير من عام 1987م, فاستلمته القوات الأردنية و وضعته في السجن, إلى أن وصل الشهيد أبو جهاد “رحمه الله” إلى عمان, و أُفرج عنه بشرط ألا يمكث في عمان, فتم ترحيله إلى القاهرة التي عاش فيها سبعة شهور, مارس خلالها نشاطه التنظيمي كما كان معتاداً عليه في قطاع غزة, و كانت هذه الفترة فرصة أخرى للقرب من الشهيد خليل الوزير, إلى أن اعتقلته أجهزة الأمن المصرية لأنه ساعد مجموعة من حركة الجهاد الإسلامي, كانت قد هربت من سجن غزة المركزي إلى سيناء, و عمل محمد دحلان على تهريب أفراد المجموعة إلى السودان, و هذا ما رأت فيه مصر إخلالاً بشرط الإقامة, القاضي بعدم ممارسة دحلان لأي أنشطة سياسية, لتبادر مصر بإبعاده إلى بغداد في نفس العام, و هناك كان في انتظاره الشهيد أبو جهاد “رحمه الله”, و بدأت حينها مرحلةٌ جديدة من النضال, حيث الظروف مواتية للقيام بأي نشاط سياسي و تنظيمي, يضاف إلى ذلك امتلاك حركة فتح قاعدة تدريب عسكرية في العراق, الأمر الذي استغله دحلان على خير وجه, إذ طالب أبا جهاد بأن يترك العمل الجماهيري للانتقال للعمل العسكري, و لكن أبا جهاد رفض ذلك و طلب من دحلان الاستمرار في عملة مع العمل العسكري, و متابعة كل أخبار الانتفاضة ونقل توجيهات القيادة للداخل, بما أنه يعتبر من القيادات الشابة و يملك خبرةً لا بأس بها في التركيبة “الكيميائية” لغزة ككل, إذ كان يتوسم فيه خيراً.



لم يكن عمل دحلان يقتصر على وجوده القوي في “الجهاز الغربي” العسكري, المسئول عن العمل الفدائي و القتالي داخل الأرض المحتلة تحت إمرة أبي جهاد, بل استخدم كل حواسه الأمنية من أجل تسهيل إيصال الدعم المالي الكافي للداخل دون أن يكتشف الاحتلال ذلك, و وفر السلاح للمنتفضين وساعد في توجيه “المطاردين”, و الكوادر القيادية في الوطن المحتل, مع سعيه لاستقدام الطلاب الدارسين في الجامعات العربية و الأجنبية, لتلقي التدريبات في العراق بسرية تامة, فيما كان للزيارات التي يقوم بها دحلان لتونس و رحلاته بين بغداد و بينها عظيم الأثر, في التعرف على كل أركان القيادة الفلسطينية هناك, و من ضمنها الرئيس الشهيد الخالد / ياسر عرفات الذي تعرف على محمد دحلان و أُعجب بأدائه, و كان قبلها قد التقاه في بغداد عدة مرات بوجود أبي جهاد, و أمر بنقله لتونس عام 1989م أي بعد استشهاد أمير الشهداء خليل الوزير.



ظل في وجدان دحلان وقع الصدمة التي فاجأته عندما عرف أن ميزانية الأرض المحتلة لا تتعدى أل 2%, من حجم إنفاق منظمة التحرير الفلسطينية, و ذلك في جلسة المجلس الوطني في عمان عام 1985م, عندما ضوعفت النسبة إلى 4% ,الأمر الذي اعتبره دحلان قليلاً و إجحافاً بحق الداخل, فعمل من منفاه على مضاعفة المبلغ ما يزيد على أربعة الأضعاف, و هذا ما تم في تونس عندما أخذ الرئيس عرفات دحلان برفقته للإقامة هناك و العمل في مكتبه بشكل دائم, بعد اندلاع حرب الخليج التي كان العراق طرفاً فيها, فصارت نسبة الصرف على قطاع غزة على سبيل المثال شهريا 250000$ بدلاً من 63000$.



كان عمل دحلان مع القائد العام عرفات في مكتبه, يتمثل في الإشراف و المتابعة و تأمين الرسل من و إلى قطاع غزة, بعد أن عينه عضواً في المجلس العسكري الأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية, مما أكسب دحلان ثقةً كبيرة عند الشهيد عرفات, الذي اعتبر دحلان ابناً له و كان دحلان ودوداً رءوفا بأبيه, و يذكر أحد شهود تلك المرحلة, أن ما ميز دحلان و قربه من عرفات تلك الفترة هو ما يلي:

- تعلق دحلان و اهتمامه بساحة الداخل المحتل.

- امتلاك دحلان زمام المبادرة و إتقانه لعمله.

- قدرة دحلان على نسج علاقات متنوعة مع كل كوادر و عناصر العمل الوطني في الداخل و الخارج.

- معرفة دحلان بطبيعة غزة و حفظه لكل شارع و حارة و زقاق و قصبة في القطاع.

- كون دحلان أحد المؤسسين للحركة الوطنية الفلسطينية “الشبيبة” في القطاع.

- نضال دحلان و سجنه و نفيه أكسبه ثقة مميزة.

- ما يتمتع به دحلان من قدرة على التنظيم و الإدارة, و دقته في الحصول على المعلومة.



و يضيف هذا العارف بدحلان المرؤوس و القائد العام عرفات, بأن ما طرأ من تحسن في أداء الجهاز الغربي في “لجنة غزة” بوجود دحلان, قد عزز من مكانته عند الرئيس, كما لعب دحلان دوراً محوريا في إسناد الانتفاضة ميدانياً, ضد الاحتلال بالرغم من بعده عنها, و لاحق العملاء و نظف المجتمع الفلسطيني من المفسدين و لاسيما من تجار المخدرات, و المسيئين من شاربي الخمر و بائعيها و السُراق و المتطفلين على الوطن و القضية, مما حافظ على ديمومة الانتفاضة و استمرار التعبئة فيها, و من أبرز مهام دحلان الرسمية في تلك الفترة ما يلي:

- ضمان إيصال الأموال في الوقت الحرج و المناسبات بشكل شهري للداخل.

- الإشراف على آليات العمل للانتفاضة و متابعته للخروج برؤية شاملة لإدارتها.

- معالجة القضايا اليومية و السلبيات التي تتعلق بالانتفاضة و المساعدة على سرعة تجاوزها.



* مباحثات السلام:



طبقاً لما أفرزته الظروف العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, و ضرب العراق و فرض الحصار عليه, و غياب عمقٍ عربي حقيقي للقضية الفلسطينية, و هدوء كل خطوط المواجهة مع إسرائيل أو ما يسمى بدول الطوق, و انعدام العمل العسكري مثل ذاك الذي كان في الأردن و لبنان, و تحكم أمريكا و من ثم إسرائيل بالعالم ككل, أدركت القيادة السياسية الفلسطينية ضرورة العودة للداخل, سعياً لإكمال مسيرة النضال حتى الدولة, فاستغلت دعوات الدول العربية و الغربية لها, لخلق سلام عادل و شامل مع تل أبيب يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية, و على هذا الأساس عمل محمد دحلان مع فريق الرئيس في تونس من أجل إنجاح المفاوضات, التي ستعيد إحياء القضية و منظمة التحرير الفلسطينية كما يرى دحلان و الكثيرون ممن يملكون أفقاً سياسيا.



عمل محمد دحلان مع الفريق الفلسطيني في الشتات, من أجل إسناد وفد الداخل في مفاوضات واشنطن, فساهم في اختيار الكادر الذي سيشارك في المفاوضات, و سهل حركة و مهمة أعضاء الوفد, و عمد إلى توضيح صورة الوضع للشارع الفلسطيني, كي لا يحدث أي تجاوز ضدهم, الجدير ذكره في هذا المقام, أن ذلك لم يكن على حساب الانتفاضة و فعالياتها, التي كان دحلان يحافظ على استمراريتها بالتوازي مع المفاوضات, إلا انه لم يعرف بأي شيء عن وجود قناة اتصال و مفاوضات سرية في أوسلو, حتى شهر مايو عام 1993م, فتحدث مع عضو الوفد حسن عصفور في هذا الأمر, و من ثم التقى مع أبي مازن, فوافق دحلان على مبدأ المفاوضات و تقدم بطلبين, الأول يقضي بالإفراج عن الأسرى و المعتقلين السياسيين, لما لهذا الموضوع من حساسية, و يمكن أن يعطي الشرعية لأي تسوية, أما عن الطلب الثاني فهو أمر يتعلق بعودته للداخل, لأنه لم يكن متكيفاً مع حياة الخارج, فرد أبو مازن عليه بأن الطلب الأول سيكون تلقائيا على الطاولة, أما الطلب الثاني فإن إسرائيل ترفضه, على اعتباران دحلان متهم بالقيام بعمليات عسكرية قد تسببت في سفك الدم الإسرائيلي, فترك أمره الشخصي للزمن, و زود أبا مازن بكشوف تفصيلية بأسماء الأسرى.



في مفاوضات طابا طلب أعضاء الوفد المفاوض من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات “رحمه الله”, أن يكون دحلان عضواً معهم, فوافق عرفات لثقته في دحلان و إدراكه أنه يُلم بالكثير من التفاصيل العسكرية و التنظيمية في الداخل و الخارج, و لكن اليوم الأول للمفاوضات شهد رفضاً إسرائيلياً قاطعا, لدخول دحلان إلى القاعة و الجلوس أمامهم على الطاولة, لأن يداه “ملوثتان بالدم الإسرائيلي” و هذا ما نقله الدكتور نبيل شعث و حسن عصفور لدحلان, و استمر الحال على ما هو عليه ثلاثة أسابيع, ليتجلى دوره في إسناد أعضاء الوفد معلوماتيا و الاتصال بالداخل, إذ عمل على تأجيل وقف العمليات هناك كلما طلبوا منه ذلك, و أخيراً سُمح له بالدخول للقاعة بشرط الجلوس في الصفوف الخلفية, و عدم النقاش إلا أنه كان يزود أعضاء الوفد بالمعلومات اللازمة أثناء عقد الاجتماع.



في خضم المباحثات طرح دحلان قضية ال220 مطلوب فلسطيني للتصفية أو الاعتقال الإسرائيلي, و أصر على مناقشة ملفهم مع آمنون شاحاك, فطالب بإلحاح وفدنا الفلسطيني بالضغط من أجل عودة المطاردين و المطلوبين للداخل,الذين كانوا يتوزعون حينها في تونس و الجزائر و السودان و ليبيا, فرفض شاحاك ذلك, إلا أن دحلان هدد بعين الحقيقة التي تفيد أن هؤلاء في القاموس الفلسطيني مناضلون, و يمكنهم تدمير أي اتفاقية سلام مع إسرائيل ما لم يكونوا طرفاً فيها, و بهذا المنطق بدأ دحلان و الوفد المفاوض يتحدثون مع الإسرائيليين, فنجح في الحفاظ على حياة هؤلاء المجاهدين و أعادهم للداخل, و على صعيدٍ ذي صلة رفض محمد دحلان أن تعتقل إسرائيل المطلوبين داخل قطاع غزة, على أن يتم إخلاء سبيلهم فيما بعد أو تستلم أسلحتهم, و أعطى التزاما شفهيا بأن تلتزم “صقور الفتح” بمتطلبات المرحلة, على أن يبقى سلاحهم تحت إشراف كادر التنظيم المعروف لدى جيش الاحتلال, و لعل الإنجاز الذي يُحسب لدحلان شخصياً في تلك المرحلة, النجاح في إدخال المطاردين الفارين من قوات الاحتلال مثل رشيد أبو شباك و أمين صيام, الذين كانا على رأس مسئولي صقور الفتح في القطاع, و كان مجرد طرح اسميهما من المحرمات, عند شاحاك و الطرف الإسرائيلي.



لم يكن ملف الأسرى غائباً في طابا بل كان من أكثر الملفات تعقيداً و صعوبة و أحق أولوية بالنقاش عند ذوي الأمر, حيث أصر محمد دحلان على الخروج مع أعضاء الوفد بنتائج ايجابية في هذا الموضوع, لأن إسرائيل رفضت خروج ذوي الأحكام العالية, إلا أن الوفد بمن فيهم دحلان الأكثر تعصبا للأسرى, قد نجح في إطلاق العديد من رموز الحركة الأسيرة مثل هشام عبد الرزق, و تم الإفراج عن 9500 معتقل منذ ذاك التاريخ و حتى تنفيذ الاتفاق الانتقالي, بمن فيهم معتقلين من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي.



* العودة و تأسيس الأمن الوقائي:



بعد أن اُستكمل إدخال معظم أبناء غزة, من المبعدين و المطلوبين لإسرائيل, دخل محمد دحلان مع بعض رفاقه في النضال بتاريخ 17/5/1994م, و لكن قرار ما قبل العودة كان قد صدر بتشكيل جهاز أمني, جاءت تسميته و فكرته من بنات أفكار القائد العام ياسر عرفات, الذي عين دحلان بقرارٍ في تونس رئيساً لجهاز “الأمن الوقائي” في محافظات غزة, دون أن يكون دحلان قد تخيل نفسه قبل ذلك مسئولاً أمنيا للحظة واحدة, و هي تسميةٌ أمنية قد تكون مستخدمة في الدول الاشتراكية في النظام الغربي, رأي عرفات “رحمه الله” أن يستوعب الجهاز الجديد الكادر التنظيمي الذي عمل في الانتفاضة الأولى, فجمع كادراً متميزاً من المناضلين, بمن فيهم عناصر من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي, و تم تقييم دحلان على نضاله و خبراته العسكرية و الإدارية و التنظيمية, برتبة “عقيد” في ذاك التاريخ من قبل القائد العام عرفات.



أوكل عرفات “رحمه الله” مسئولية حماية الاتفاق السياسي و عملية السلام للأمن الوقائي, و منع العمليات العسكرية التي قد تمنع التقدم للوصول لتسوية سياسية مأمولة في تلك الفترة, تماشياً مع الظرف السياسي العالمي و الإقليمي و العربي, و كي تستكمل السلطة الفلسطينية فيما بعد استرجاع الأراضي المغتصبة عام 1967م مقابل تقديم الأمن لإسرائيل, التي لم تزل تعتبر دحلان ثقيل الظل في تلك الفترة على اعتبار أنه “إرهابي”, و يتكفل جهاز الأمن الوقائي أيضا بنشر حالة الاستقرار الأمني, داخل المجتمع الفلسطيني و القضاء على الجريمة و الجريمة المنظمة, فيما شرع دحلان بهيكلة الجهاز مستعيناً برفاق الدرب الأوائل ,أمثال رشيد أبو شباك الذي عُين نائبا لرئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة, و بدأ في رسم خطط تشكيل الجهاز فاختار عشرة من المناضلين, وفقا للتاريخ النضالي و التضحيات التي قدموها و لاسيما في سنوات السجن أو الإبعاد, و جعل منهم نواة الجهاز الحقيقية و قيادته, ثم أخذ يوسع في الدوائر و التفرعات و الاختصاصات داخل الأمن الوقائي, مستعينا بخبرات أمنية مصرية لتطوير الأداء و المساعدة على القيام به على خير وجه, بما يخدم المصلحة الفلسطينية العليا.



و مما تميز به جهاز الأمن الوقائي قدرته في الحصول على المعلومة و تحري دقتها, وحرصه على مراعاة ضوابط المجتمع الفلسطيني العامة, مثل الأخلاقيات و غيرها, و قُربه من الكادر التنظيمي الفتحاوي و الوطني بشكل عام, و حزمة في التعامل مع أي تجاوز يصدر عن أحد أفراده, حتى وصل إلى حد إقالة البعض من المتجاوزين و معاقبة البعض الآخر.كما شارك جهاز الأمن الوقائي في تفعيل الانتفاضة الثانية,عندما كان محمد دحلان على رأس قيادة الجهاز, جاءت تلك المشاركة القوية قبل أن تدخل بعض الفصائل المسلحة في المواجهة الحقيقية مع الاحتلال , الأمر الذي أدى إلى استشهاد العديد من عناصر الجهاز , و منع أقرب الأشخاص من دحلان من السفر و الحركة باتجاه الخارج ,كرشيد أبو شباك و سليمان أبو مطلق الذي تم اعتقاله و الإفراج عنه فيما بعد.



بعد مرور سبع سنوات على رئاسة دحلان لجهاز الأمن الوقائي قدم استقالته للرئيس عرفات في أبريل من عام 2001م, و كان له وجهة نظر في هذا الموضوع, و هي أن الوظائف الأمنية يجب أن لا تكون أبدية القيادة, كي لا تصبح دائرة المسئولية إقطاعية خاصة لشخصٍ دون آخر, يضاف إلى ذلك تداخل مهام و وظائف الأجهزة الأمنية, مما خلق حالة من التشتت و الغضب الشعبي, و هذا ما شعر به محمد دحلان منذ عام 1998م, و طالب على إثرها بالإصلاح في جميع دوائر السلطة, و تلك نقطة محورية سنأتي ذكرها ضمن سياق السيرة.



* أحداث 1996م و العلاقة من الفصائل :



كما أسلفنا فإن تشكيل جهاز الأمن الوقائي كان يهدف إلى المحافظة على الالتزامات الأمنية مع الجانب الإسرائيلي { و لا تعني الالتزامات الأمنية كما يتصور البعض اعتقالات و إعدامات, و لكنها تعني منع الجانب الفلسطيني لوقوع أي عملية توجه ضد الإسرائيليين طالما أن هناك اتفاق بين الطرفين ,لتمكين الجانب الفلسطيني من الحصول على حقوقه و قطع الطريق على الحجج و التسويفات الإسرائيلية بالمماطلة},و قد كان الرئيس عرفات هو المسئول الأعلى عن هذه المهمة, و يأتي بالتدريج بعده دحلان كرئيس للجهاز داخل القطاع في المسئولية عن هذا الملف, و لكن مشاحنات ظاهرة قد حدثت بين السلطة الفلسطينية و حماس, عندما استمرت الأخيرة في تنفيذ ما كانت تقوم به قبل مجيء السلطة الوطنية, مثل اختطاف مواطنين و إعدام البعض منهم بتهم العمالة و غيرها, فكان المطلوب من حركة حماس أن تقدر بشكل موضوعي و عقلاني, طبيعة المتغيرات التي طرأت على الساحة, كعودة منظمة التحرير و تشكيل سلطة فلسطينية, لم تعترف حماس بشرعيتها, مع عدم اعترافها أيضاً بالانتخابات الرئاسية و التشريعية و نتائجها كإحدى إفرازات أوسلو, و استمرارها في ممارسة نشاطاتها كتنظيمٍ مستقل له سياساته الداخلية و الخارجية,مما أدى كل ذلك إلى تضخم التراكمات , قامت على إثرها بعض الأجهزة الأمنية باعتقال و استدعاء بعض الأخوة في حماس للتحقيق و حثهم على التوقف عن ممارسة تلك السلوكيات التي تخدش هيبة السلطة الوطنية , فيما رفض جهاز الأمن الوقائي المشاركة في عمليات الاعتقال لأكثر من عامين , أي منذ عام 1994م و حتى العام 1996م , بل و كانت سياسة الأمن الوقائي تتجه نحو فتح آفاق من الحوار و التفاهم مع كتائب الشهيدعز الدين القسام من خلال محمد الضيف و عبد الفتاح السطري و رفاقهم , كاد أن يسفر الحوار معهم إلى إبرام اتفاق لولا تدخل بعض المتنفذين الذين عملوا على نسف أي اتفاق محتمل من خلال تشكيل جهاز عسكري لحماس بديل للقسام يسمى بــ “الجهاز السري”, الذي كان من مهامه الأولى الاستيلاء على أسلحة عناصر الشرطة الفلسطينية بالقوة و قتل من يقاوم و تجريده من سلاحه في بعض الأحيان , مما خلق أجواء مشحونة, و لاسيما أنه قد تم تسجيل عدة حوادث قتل قامت بها مجموعات سرية تابعة لحركة حماس ضد أفراد الشرطة الفلسطينية مثل الشهيد أكرم أحمد …الخ .



يضاف إلى ذلك أن إسرائيل قد نجحت باستفزاز حماس, من خلال اغتيال الشهيد المهندس يحيى عياش “رحمه الله”, مما دفع الحركة للقيام بأربع عمليات كبرى داخل إسرائيل, أسقطت بيريز و جاءت بنتنياهو و خلقت مفهوما جديداً عند الإسرائيليين بمن فيهم حزب العمل عن السلام, و هو أن إسرائيل قد باعت الاتفاق لمنظمة التحرير على أمل الحصول على أمن, و لكن العمليات زادت مع قدوم السلطة بشكل كبير و محرج للقيادة أمام العالم, فبدأت الأمور مع بيريز و نتنياهو ثم باراك تتجه للتعقيد وصولاً إلى اعتلاء شارون كرسي رئاسة الوزراء في إسرائيل.



مما فرض حدوث المواجهة, فاتخذت القيادة الفلسطينية قراراً باعتقال تكتيكي لأفراد حماس و الجهاد الإسلامي, بشكل مؤقت عام 1996م, منعاً لأي تدهور قادم قد يمنع الحصول على استحقاقات فلسطينية, في الأراضي المتفق على تسلمها من جيش الاحتلال الإسرائيلي, و كي تثبت للمجتمع الدولي قدرة السلطة على تسلم زمام الأمور و السيطرة على الساحة الفلسطينية, فأوكل الرئيس عرفات “رحمه الله” المهمة لجهاز الأمن الوقائي برئاسة دحلان في غزة و قطاعها, لضبط الساحة و تحجيم نشاط حماس العسكري و لو مرحلياً, للوصول إلى التفاهمات الفلسطينية الإسرائيلية, و ما جرى بعد ذلك من تضخيم في عمليات الاعتقال, سواء في الكم و الكيف, كان يهدف إلى خلق حالة من عدم الثقة و التشكيك في دحلان شخصيا و جهاز الأمن الوقائي.



كان الاعتقال ينتهي عادة و ضمن سياق الفهم و الوعي الوطني للأمن الوقائي و قيادته, التي لم تكن بعيدة عن هموم شعبها بإحدى أو كلا الخيارين, إما الإفراج عن الشخص المعتقل ,أو التفريغ في الجهاز لحل بعض المشاكل الأمنية لبعض كبار عناصر القسام و المطلوبين لدولة الاحتلال, و بناء على هذا الأساس؛ قد يستغرب من لا يدري عندما يعرف أن كوادر مهمة في كتائب القسام, بعضهم شهداء عند الله تعالى , مثل الأخوة عماد عباس و عوض سلمي و بلال الغول و خالد أبو سلمية و عدنان الغول و سعيد أبو حمام و غيرهم كثر , كانوا موظفين على قيد الأمن الوقائي, رغبة من قيادة الجهاز في أن يتمتعوا بحماية الجهاز و إمكانياته ,فيما استشهد العديد من عناصر حماس و بالتحديد من كتائب القسام و هم على قيود جهاز الأمن الوقائي ,بينما الآخرون كانوا على قيود الجهاز قبل تاريخ استشهادهم .



لم يكن يعني تصرف جهاز الأمن الوقائي, في تلك المرحلة على أنه ضد المقاومة, بل إن السلطة دفعت ثمن حماية حماس و الجهاد الإسلامي على مدار عشر سنوات, و ذكرنا دور الوقائي في تفعيل و إسناد الانتفاضة الثانية, حتى بلغ عدد شهداء الأجهزة الأمنية في الانتفاضة إلى أكثر من 40%, و قد ارتبط دحلان بعلاقة طيبة مع الجهاد الإسلامي منذ فترة الاعتقال, و طُرد من مصر لتهريبه مجموعة من عناصر الجهاد إلى السودان عام 1987م كما أسلفنا, و كذلك ربطته علاقة جيدة مع عناصر حماس مثل يحيى السنوار, الذي دخل ميدان المواجهة العسكرية ضد إسرائيل في الانتفاضة الأولى, قبل أن تتخذ قيادة المجمع الإسلامي أو حماس هذا القرار, كما ربطت دحلان بالدكتور عبد العزيز الرنتيسي “رحمه الله” علاقة أخوية بحكم رابطة الجوار في خان يونس, و مرت بعلاقات فتور أحياناً وفقاً للاختلاف في وجهات النظر, و لكنها كانت قائمة على قاعدة الاحترام بحكم الشراكة في النضال.



و يحتفظ محمد دحلان بعلاقات جيدة و متجددة مع معظم أركان العمل الوطني من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار في الداخل و الخارج, و ذلك من خلال إدراكه بأهمية دور الجميع في معركة البناء و التحرر بمن فيهم قيادات الحركات الإسلامية التي نجلها كثيراً .



* مبعوثاً و مكلفاً من عرفات للتفاوض:



مع صعود بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل, بدأت حالة من الشقاق تنعكس على المفاوضات العسيرة التي كان لها جولاتها, شارك فيها محمد دحلان بالتكليف من الرئيس عرفات “رحمه الله”, في التفاوض في عدة أماكن, كما رافق عرفات في الكثير من المفاوضات الشهيرة, لقوته في طرح ما يريد حتى في أكثر الأوقات تأزماً, و لما اكتسبه من خبرات في “فن” التفاوض مع إسرائيل هو و الدكتور صائب عريقات.



اهتم دحلان بجمع المعلومات الخاصة بأعضاء أي وفد إسرائيلي و تقديمها للرئيس عرفات, من خلال قراءة تاريخ الأشخاص و نشأتها و مرجعياتها الفكرية و السياسية, و ذلك للمساهمة في إدارة أي مفاوضات, و هذا ما حدث على سبيل المثال مع مبعوث نتنياهو دوري جولد, الذي جمع دحلان كل المعلومات المتعلقة به و بزوجته و رحلاته إلى بعض الدول العربية, و قدمها للرئيس الشهيد عرفات, كما اختاره الرئيس ليكون عنصر الاتصال الرئيسي بين مكتب الرئيس عرفات و مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلي, و اختاره أيضاً مبعوثا شخصياً له للإعداد لقمة واي ريفر, فأوكل له كل التفاصيل في قضايا تمثل إشكالات للسلطة الوطنية الفلسطينية, وقد ساعد محمد دحلان أيضاً على المضي نحو التقدم باتجاه تحقيق الهدف الوطني الذي كان يحدده الرئيس, قوتُه و صلابتُه و قناعته أن إسرائيل ليست دولة خارقة للعادة, و ليس كل مواطنيها عباقرة, الأمر الذي عزز من قدرته على المطاولة خلال النقاش و التفاوض, بل و السرعة على الرد على أي تجاوز أخلاقي يصدر عن المفاوضين الإسرائيليين, بدافع العنجهية حتى وصل الأمر إلى أن شتم دحلان أعضاء وفد نتنياهو, مما دفع نتنياهو للتصريح بعدم ثقته في دحلان, و يُذكر لدحلان اشتراطه على إسرائيل أن تدفع ثمن الأمن انسحابات تعيد الأرض للفلسطينيين.



كما حافظ محمد دحلان على علاقات مع بعض أعضاء المؤسسة الأمنية و العسكرية مؤيدين لنيل الشعب الفلسطيني حقوقه, و الشخصيات العامة في إسرائيل, من كتاب و صحفيين جانحين للسلم, للضغط على الحكومة الإسرائيلية, ثم أجبر نتنياهو على التوقيع على بعض التفاهمات في واي ريفر, تسلمت السلطة من خلالها 13.1% من أراضي الضفة الغربية بما فيها مدينة الخليل, إضافة إلى قضايا تفصيلية مثل المطار و الميناء و بعض القضايا الأمنية كافتتاح الممر الآمن و ملف الأسرى, مما يعد إنجازاً تاريخيا في ذاك الوقت الذي كانت فيه حكومة ليكود متشددة تحكم في تل أبيب. استغل دحلان أخطاء الوفد الإسرائيلي في التفاوض, و هذا و ما تجسد في طرح نتنياهو لما سُمي بمبدأ “التبادلية”, التي التقطها و أصر عليها الوفد الفلسطيني و تعمد إحراج الإسرائيليين أمام الطرف الأمريكي, بمطالبته بالتبادلية التي تخلى عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي, و تذمر من شدة تكرار دحلان لهذا المطلب.



مع صعود باراك لسدة الحكم في إسرائيل, كان محمد دحلان أول شخص يلتقيه بتكليف من عرفات”طيب الله ثراه”, فخاض مع فريق باراك و باراك نفسه عدة جولات من النقاش , أكد فيها على أن أساس أي اتفاق مع حكومة الأخير لن يتم دون أن تكون القدس كاملةً, عاصمة للدولة الفلسطينية مع ضمان عودة اللاجئين, و في مفاوضات إيلات حدثت مشكلة كبيرة بين دحلان و رئيس الوفد الإسرائيلي عوديد عيران, عندما قدم الأخير 62% من الأرض تمهيداً للحل النهائي, موضحة على خريطة سخر منها دحلان بوجود ياسر عبد ربه و قال لرئيس الوفد الإسرائيلي “إن أي طالب في مدارسنا لن ينجح في رسم الخريطة أي سيرسب كل طلاب فلسطين في الجغرافيا” لعدم منطقيتها, مما أدى إلى مشادة كلامية و صراخ بين الطرفين ,,, كما رافق دحلان الرئيس عرفات إلى كامب ديفد, و لم يتفاوض لدقيقة واحدة بمفرده مع الإسرائيليين كما يشيع المتفذلكون, بل كان يتحرك بإمرة الرئيس و يقدم له المعلومة و المشورة كلما تطلب الأمر, و استغل دحلان دقة اختيار الوفد الفلسطيني الإداري و المهني و الأمني هناك, وعمل معه على استمالة الأمريكيين لصالح الموقف الفلسطيني العام.



و بالنسبة لشارون فإن علاقة دحلان به كانت سيئة, و ذلك لما صدر عن دحلان من تصريحات ضد شخص شارون في واي ريفر, إذ كان شارون وزير خارجية, و عندما كُلف دحلان مع أبي مازن بإكمال خطوات الاتفاق و الذهاب لتل أبيب, هدد شارون من خلال الإعلام قبل مجيئهما باعتقال دحلان فيما لو جاء إلى مقره بالخارجية الإسرائيلية, كما اعتبر شارون دحلان مساعداً لحركتي حماس و فتح, و طالب باغتيال محمد دحلان بعد حادثة مقتل الجنديين الإسرائيليين في رام الله بداية الانتفاضة, فقامت إسرائيل بمنع محمد دحلان من السفر إلى الخارج على اثر اتهام له بالتورط في سفينة السلاح “كارين أيه” بعد سفره مع أحد المتهمين بالضلوع بها, قبل ضبطها بثلاثِ ليالِ, حتى تم إنهاء التحقيقات و تم التوصل إلى حلٍ لإزالة المنع.



* الانتفاضة و حصار الرئيس:



لم يكن محمد دحلان بعيداً عن الانتفاضة, إذ عمل على تنشيط الساحة الفلسطينية, و استفز البعض لغرض المشاركة الفاعلة في الانتفاضة, بقصد الضغط على إسرائيل و الحصول على ما تم الاتفاق عليه, فاندفع جهاز الأمن الوقائي بقوةٍ إلى الميدان, و التحم مع الجيش الإسرائيلي في كافة الاشتباكات المسلحة, التي أدت إلى استشهاد العديد من خيره عناصره, و ساعد على تكوين بعض فرق كتائب شهداء الأقصى المعروفة العناوين, و من المهم ذكره في هذا المقام أن معظم حراس دحلان الشخصيين هم من عناصر الكتائب الفتحاوية الأصيلة, كما استشهد ابن أخيه في إحدى المواجهات بمدينة خان يونس, و لا نستطيع التفصيل في هذا الباب أكثر من ذلك.



بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر توقع محمد دحلان أن يستغل شارون الحدث لصالحة, و يصعد من العمل العسكري البربري ضد الشعب الفلسطيني بمن فيه الرئيس نفسه, و أبلغ ذلك للرئيس عرفات “رحمه الله” و طالب بتغيير بعض الأمور تلافيا لما هو قادم, و لكن شارون كان أسبق إلى جنونه الدموي, فاقتحم مقر الرئيس بالمقاطعة, و كان دحلان تلك الليلة برفقة الرئيس حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل, فطلب منه الرئيس المغادرة ليتسنى له القيام بمجموعة اتصالات عربية و دولية, تطالب العالم بالتدخل لإنهاء هذه المهزلة, و كان يتصل بــ و يتصل عليه الرئيس أكثر من عشرين مرة في اليوم, و قد ساعدت الاتصالات على موافقة الولايات المتحدة, على زيارة دحلان و أبي مازن و أبي العلاء و الدكتور صائب عريقات لعرفات في المقر, بعد تدخل عربي جهيد كان أساسه حملة الاتصالات الفلسطينية التي قادها محمد دحلان, و في الأسبوع الثالث للحصار, و بالاستفادة من تكثيف الاتصالات الدولية, تم فتح قناة حوار مباشر مع الإسرائيليين, و كلف الرئيس عرفات دحلان بإدارة الحوار, و هذا ما نجح فيه بالحفاظ على حياة الرئيس, رغم التسليم بقسوة الشروط و تعقيدها, و لكن هذا الممكن في وقت المستحيل.



* حكومة محمود عباس:



مع استجابة أبي عمار لتكوين حكومة جديدة و تعيين رئيس وزراء لأول مرة في تاريخ السلطة الفلسطينية, و اختياره لأبي مازن للقيام بهذه المهمة, كان محمد دحلان خارج البلاد, فجاءه اثنان من ذوي الإطلاع, و طلبا منه زيارة عرفات ليكون في الصورة منذ البداية, لم يكن دحلان كما تعود بحاجةٍ إلى سبب للجلوس مع عرفات, فسافر إليه في رام الله وناقشه في تشكيل الحكومة, فقال عرفات اتصل برئيس الوزراء المكلف لعله يريد أحداً غيرك, فقال له دحلان إن منصب وزير الداخلية كما كان مطروحا لن يضيف لتاريخه شيء, و ستكون مغامرة لمن يتسلم هذا الموقع, و انه لن يستطيع القيام بها, و انتهى اللقاء في جو من الود و الألفة, تلاه اتصال من دحلان بأبي مازن الذي علم بتفاصيل لقاءه مع الرئيس, و رحب بدحلان في حكومته و أكد على ضرورة وجوده في تشكيلتها, لما يمتلك من خبرة في المجال الأمني, و ما أن انتشر خبر ترشيح دحلان للموقع الوزاري, حتى تحرك أمراء السوء من المستفيدين من حصار الرئيس, الذين اختفوا عن الساحة وقت أزمة الحصار, و بدءوا في لعب دور الوسواس الخناس, كي لا يكون محمد دحلان في هذا الموقع, مما دفع دحلان للتمسك بهذا المنصب, فيما أصر عرفات بعد غمز و لمز المسيئين على أن يكون وزير الداخلية من أعضاء اللجنة المركزية, حتى جاء وزير المخابرات المصرية إلى رام الله, و اتصل بدحلان و قال له أنت ستكون وزيرا لشئون الأمن, و سيكون رئيس الوزراء أبو مازن وزيرا للداخلية, فاعتذر دحلان عن كلا المنصبين لو كلف بهما, و لكن تأكيد سليمان عبر الهاتف و بحضور الرئيس عرفات “رحمه الله”, أنه أي الرئيس يريد محمد دحلان شخصيا لهذا الموقع, جعله يوافق تحت مظلة رضا و رغبة الرئيس و ما يمثله ذلك من شرعية.



لم تهدأ النفوس المريضة عن التحريض بالتوافق مع التحريض الإسرائيلي ضد رئيس الحكومة و دحلان, من خلال “مدائح الصحافة الإسرائيلية” الخبيثة للرجلين, و بدأت الهدنة التي طلبت فيها إسرائيل من دحلان القيام بعمليات اعتقال واسعة, في صفوف المقاومة, الأمر الذي اعتبره دحلان خطاً أحمر و رفض القيام به بأي شكل, فبدأت إسرائيل في البحث عن ذرائع لوأد الهدنة, من خلال التأكيد لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول في زيارته للمنطقة, أن حماس تُصنع أسلحة مستفيدةً من الهدنة, كان دحلان يطرح موضوع حصار الرئيس في كل لقاء له مع الأمريكيين, و في قمتي العقبة و شرم الشيخ كان محمد دحلان يتصل بالرئيس كل ساعة, على الرغم من عدم مشاركته في اللقاءات, و في إحدى لقاءات أبي مازن و دحلان مع شارون في القدس, كان الطرح الفلسطيني يتناول قضية حصار الرئيس, و ملف الأسرى و طلب المساعدة في القضايا الاقتصادية و التكنولوجية, فرد شارون قائلاً لدحلان “أنت تريدني أن أفرج عن إرهابيين و قتلة …هؤلاء أياديهم ملطخة بالدماء !!!؟” مما دفع دحلان للرد السريع عليه قائلاً ” و أنت لست رئيسا للصليب الأحمر, أنت أيضا قاتل و إذا كان المفهوم كذلك فأنت مارست نفس الممارسة بشكل أبشع, لذا يجب علينا أن ننسى هذا لأنه جزء من الماضي” و مع اشتداد حملة التشويه الإسرائيلية للتشكيك في محمود عباس أمام عرفات, عملت إسرائيل على تسريع انهيار الحكومة الفلسطينية, لعدم قبولها بمناخ السلام من خلال خرقها الهدنة, فيما تكالب المفسدون على الحكومة بالتحريض, وقيامهم ببعض الظواهر اللا وطنية والغير أخلاقية مما أدى إلى استقالة الحكومة.



* حملات التشويه و الافتراء:



تعرضت شخصية وزير شئون الأمن السابق محمد دحلان, للكثير من حملات التشويه الإعلامي المقصود و المبرمج و من عدة تيارات, كان هدفها الأساسي قتل دحلان جماهيريا, و حرقه بين الناس بدوافع حقد و حسد و غيرة شخصية, يضاف إلى تلك الدوافع تعارض توجهات دحلان الإصلاحية مع مصالحهم الفردية, فكان ما كان من إشاعات و تسريب معلومات فاسدة ضد دحلان, و لنا ثلاث قضايا في هذا الملف:

1 – تكفلت إسرائيل بخلق شقاق بين أهم الفاعلين في القيادة الفلسطينية, و المؤثرين من ذوي التوجهات الوطنية, كان محمد دحلان من وجهة نظر إسرائيل كما هو ابناً لعرفات, و مساعداً في تدعيم أركان السلطة على الأرض, و صاحب فكرة و قوة و منطق خاص في لعبة السياسة و التفاوض, في حين أن إسرائيل لم تستطع ضبط ممسك شخصي يُمكِنها من ابتزاز دحلان على مائدة التفاوض, التي كان فيها دحلان لينا وقت اللين, و جادا وقت الجد و قاسيا في مواجهتهم, مع حصول أي تجاوز إسرائيلي داخل الجدران الأربع, فعمدت إسرائيل إلى شن عدة حملات منظمة للنيل من محمد دحلان, و ذلك من خلال مدحه على صفحات جرائدها أو على لسان أحد المسئولين بالإذاعات, بقصد خلق جو من عدم الثقة به داخل الشارع الفلسطيني, لأن الطرف الإسرائيلي يدرك أن أي كلمة ايجابية بحق دحلان, تعني إسقاطه فلسطينيا, وهذا ما حدث إبان حكومة عباس التي كان فيها دحلان وزيرا, حيث تجاوزت الأخبار و المقالات المُمجدة و المسيئة للحكومة إلى أكثر من 60%,و قد كانت إسرائيل تعرف أن الرئيس عرفات يقرأ صحافتها كل صباح, لتكون الحقيقة في النهاية أن إسرائيل معنية بعدم استمرار الهدنة أو الحكومة الفلسطينية.

2 – تحالف كل أمراء السوء من مسئولين متخمين, و قادة أمنيين مخمورين و أصحاب المصالح التي تتعارض مع المصلحة العامة, على لعب دور الوشاة عند الرئيس, من أجل هز صورة الابن محمد دحلان و إقصاءه عن الحلبة السياسية, لما له من توجهات شعبية تحرقهم لو تم تنفيذها مع تشريع قانون المحاسبة, فاشتغلوا على تضخيم أسطورة دحلان الساعي إلى السلطة تارةً, و تارةً أخرى اتهموه بأنه رجل أمريكا في فلسطين, و مرة قالوا عنه خائنا في حين أنه لم يتفاوض أو يجلس مع الإسرائيليين أو الأمريكان مرة واحدة خلال العشر سنوات دون إذن من الرئيس عرفات “رحمه الله” أو دون تكليف منه شخصيا, ففئة ” وطاويط الليل” لم تشارك في معركة البناء و إدارة السلطة, أو المواجهة العسكرية بشكل جدي, و ترى أن أي تقدم شخصي أو نجاح يحرزه محمد دحلان أو غيره من المناضلين في غير صالحها, كما استفادت نفس الفئة من حصار الرئيس لما أخذته من أموال بحجج واهية, ذهبت إلى البنوك في حساباتها الشخصية.

و لم تكن هذه الفئة وحدها بل كان يساندها بعض المتصاحفين و الصحفيين و الكتاب المأجورين, ممن لهم ارتباطات معروفة بجهات استخبارية, فسربوا أخبار متنوعة عن دحلان و نيته المفترضة, في إحداث انقلابات و قتل رمز الشرعية الفلسطينية و تهديده للرئيس عرفات, ليخزهم الله بأن الرئيس “رحمه الله” قد اصطفى دحلان دون غيره في مرافقته له إلى باريس عندما ذهب طلباً للاستشفاء.

3 – ما يُشاع عن الاستثمارات التي يحوزها محمد دحلان, و ما يُروى من القصص التي يروجها المتورطون بفضائح مالية و أخلاقية قد تعدى حد المنطق, الذي يمكن أن يعقله عاقل, فكانت تلك الإشاعات حلقة من حلقات الافتراء و الزيف و الخداع, التي تهدف إلى إصباغ كل الصفات السيئة, بشخص محمد دحلان إثماً و عدوانا.



* في مواجهةٍ مع الفساد:



يدرك دحلان أن الإصلاح مطلباً شعبيا فلسطينيا منذ ثمانِ سنوات مضت, لذا فقد كان من أول المنادين بضرورة إجراء تعديلات و تغيرات, تمكن السلطة من المواجهة السياسية كلما تطلب الأمر, و تساعد على مد جسور من الثقة بين المواطن و المؤسسة الحكومية و الأمنية التي يتردد عليها, و لكن الفضيحة جاءت عندما صار المجتمع الدولي و عدونا الإسرائيلي, يطالب بتصحيح الأخطاء و القضاء على الفساد في المؤسسات و الوزارات الفلسطينية, مما جعل المفسدين في الأرض يصورون للناس أن الإصلاح حاجة أمريكية, لا يمكن تطبيقها الآن و تلك “حجة الثعالب”, إلا أن الحقيقة هي إدراكهم أن أي إصلاح سيطيح بكل كراسيهم و يعريهم و يخزهم أمام شعبهم.



إلا أن تراكم مظاهر الفساد و ضياع هيبة السلطة, و تفشي ظواهر العربدة و انتشار السلاح دون مبرر, وحالة “التوهان” في الشارع الفلسطيني مع تداخل مهام الأجهزة الأمنية, و ما حل بالناس من ضيقٍ اقتصادي و وجع سياسي, تطلب وقفة عز و شرف, تنصر المظلوم و ترد الظالم و تعيد الحقوق لأصحابها, و ترتب البيت الداخلي الفلسطيني, على أساس ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا, و تعين السلطة على النهوض و تخطي حالة الشلل و الانهيار التي باتت تعيش فيه, و تعزز من قيمة المقاومة من خلال تنظيمها و تحديد أهدافها بالتوافق مع وجود أفق و خطاب سياسي, و غير ذلك من القضايا, جعل محمد دحلان يصطف ومن خلفه الجماهير, على مختلف انتماءاتها و توجهاتها الفكرية, للمطالبة بضرورة تصحيح الأخطاء و معالجة قضايا الفساد بمختلف أنواعه.



و منذ استقالته مع حكومة عباس و قبل ذاك التاريخ, يعمل محمد دحلان على استقطاب رجال الأعمال و المستثمرين, من كافة الدول العربية و الغربية للعمل في فلسطين, و ذلك من خلال ندوات يقيمها و يلقي فيها المحاضرات بالخارج, كما يقوم بالتنظير و حشد الدعم للقضية الفلسطينية و فضح ممارسات الاحتلال من خلال جولاته و زياراته للكثير من العواصم, مستفيداً من علاقاته مع شخصيات عالمية و إقليمية و عربية, لإطلاعها على طبيعة و ظروف الحالة الفلسطينية القائمة في هذه الأوقات, دون أن يتناسى هموم شعبه الذي يعيش همومه لحظة بلحظة……



*حكومة التكنوقراط :



حمل يوم التاسع من يناير قراراً فلسطينيا شعبيا بضرورة الإصلاح من خلال تجلي الإرادة الفلسطينية بانتخاب أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية السيد محمود عباس رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية ,خلفاً للرئيس الشهيد الخالد ياسر عرفات “رحمه الله”, مما أعطى محمد دحلان طاقة كبيرة للتحرك باتجاه تطبيق برنامجه الإصلاحي الذي نادى به كثيراً , فعمد إلى ترتيب الساحة الفلسطينية و استغلال المتغيرات التي قد تطرأ إذا ما نفذ رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون خطته القاضية بالانسحاب من قطاع غزة و شمال الضفة الغربية المحتلة, كما ساهم مع القيادة الفلسطينية و قادة فصائل المقاومة إلى الخروج بتفاهمات من شأنها تقوية الموقف الفلسطيني و العمل على توفير المناخات المناسبة للخروج من المأزق الذي يزجنا الاحتلال إليه , الأمر الذي أثمر عنه هدنة توقف فيها سيل شلال الدم الفلسطيني المتدفق بفعل بربرية الاحتلال , و العمل على توفير الأمن للمواطن الفلسطيني و فتح آفاق جديدة لعجلة الاقتصاد الوطني و إعادة بناء ما دمره الاحتلال.



كما يعمل محمد دحلان على التنسيق مع الجانب الإسرائيلي للانسحاب من الأراضي المتوقع تحررها قريبا بتكليف حكومي رسمي من الرئيس محمود عباس و رئيس الوزراء أحمد قريع , فيما تم تشكيل حكومة انتقالية لحين إجراء انتخابات المجلس التشريعي في موعدها القادم و التي تعرف بحكومة التكنوقراط ,التي يشغل فيها دحلان منصب وزير الشئون المدنية , الأمر الذي يعد محطة انطلاق حقيقية للتخفيف من حجم معاناة الشارع الفلسطيني و انتهاج خطٍ إ صلاحي واضح و إعادة القضية الفلسطينية إلى الحلبة الدولية , مع السعي لتوفير الدعم الكامل للسلطة على المستويات العربية و الإقليمية و الدولية ….